د. فاروق مواسي 

ناجي ظاهر والبحث عن الذات

الرؤيا والإشعاع >>

أنا لست قاتلاً / لست قتيلاً

أتيت من المدن البعيدة وحدي

وصلت قبيل وصول الصباح

سألت أهل المدينة

أين أجد البيت يؤويني

لم ينظروا نحوي

-         يبدو لي من هذا التقديم [1] أن الشاعر يعاني الوحدة فهو إذ يسأل:

أين أجد البيت يؤويني         (البحث ص7)

يعود في القصيدة نفسها ويقول:

 ولا تذكريني لأهلي- إذا سألوا

أن بيتي هناك بعيدا                    (البحث ص 11).

آنًا يقول:

إني أسأل عن بيت، عن ذكرى             (الزهرة ص 39)

وفي مرحلة أخرى يقصد كل شيء إلا الذكرى

لا أملك إلا آلام الذكرى             (قصائد ص 52)

-         نعم صورتان تؤديان معنى الوحدة والعزلة، وقد لاحظت أن أجواء الشاعر تتباين أحيانًا. ففي حين يتفاءل:

تتألق بعد هبوب الظلمة

أجفان الزهر اليابس               (قصائد ص 53).

يعود الشاعر إلى الزهر اليابس ويتشاءم:

تسقط زهرتك اليابسة              (الزهرة ص 8)

-         لاحظت أن صقة اليبوس التصقت بالزهرة كما أن لفظة (الراقدة) تلتصق ب (العتمة) و (الشجر) وكأنها جزء لا يتجزأ من قاموس الشاعر:

أو فانتظر الشجر الراقد في العتمة                   (قصائد 11)

أحببتك حب الشجر الراقد في العتمة                  (البحث 80)

أتحسس بين الشجر الراقد في العتمة                 (البحث14)

وحين لقيت عتمة قلت ارقد فيها                         (البحث 7)

-         وما رأيك في رمز الشجرة؟

-         الشجر والغابة والحلم والليل والجدران والوجد والصمت والبيت -  مفردات تتردد عند الشاعر، ولو رسم مدلولها رسام لأخرج لوحة هادئة ،  وخاصة إذا جعل الألوان والخطوط غير نافرة ولا مستفزة.

فالشجرة جزء من جمالية الصورة أولاً، تضفي رهبة معينة، فيها نزوع إلى السمو ،  وفيها ارتباط بالأرض، فيها رواء.... وفيها ثمر.... وباختصار هي رمز للعطاء.  [2]

أما رمز الغابة عند الشاعر ففيه ضياع ... وفيه أمل، وخاصة إذا كان ثمة بيت منعزل يلجأ إليه الشاعر:

أرسم أشكالاً أخرى للأشجار

للبيت القائم في تلك الغابة

والمتوحد في ذاك الظل                         (الزهرة18)

...............................

من يعلم شيئا عنك

أعطيه الشجر

وشكل البيت المتوحد

أعطيه الغابة                                (الزهرة 27)

البيت يرمز إلى نقاوة الشاعر وعمقه، وهو بعيد عن الأيدي والعيون، شبيه بالبرج العاجي... لكن فيه تواضع.

-         ألا يدل ذلك على اغتراب واستلاب؟

-         بلى، ولنقرأ معا كيف أن الشاعر يشعر بالغربة:

 

"  انت تجولت بشارع غربتك طويلاً وتمزقت طويلاً وحلمت بكسرة خبز لا يأخذها منك الغرباء، أدرت مفاتيح المذياع، تسللت لكل شوارع هذي البلدة تبحث عن دفء يوقظ فيك الإحساس بأنك رجل تتمناه امرأة، لكنك حين تواجدت بجانب حجر يستلقي في الضوء، تراميت....."(قصائد ص 15)

بل لنقرأ رسالة  شخصية بعث بها الشاعر إلى ،  ومن حق القارئ أن يطلع عليها:

 

" وأنت لو حاولت أن تتلمس الجذور الاجتماعية لشعري أو لما أكتب من شعر، للاحظت أنها تتشكل في نهاية أمرها بدوافع اغترابية. إن الحب كموضوع يسيطر على ما كتب من شعر يعتبر إلى حد بعيد بمثابة الرد أو حتى التأكيد على وجود الرفض، هذا الاغتراب الروحي الذي أعيشه ويعيشه معي أبناء جيلي .... ولعل هذه يجعلني استشهد بقول هورست رديكر:

" إن الفن الواقعي تعبير ووسيلة نشاط وتأكيد للفن ككائن اجتماعي " .

-         ما قرأته جميل ولكن الشاعر في (الحب) له أكثر من موقف. فهو يبحث:

عن حب أعظم،

عن فن                             (الزهرة 39)

ويعود ليقول:

أسأل عن موت

عشش في رأسي

عن حب دمرني دمر إحساسي

أقصاني عن كل الناس             (الزهرة 40)

ويكون الحب جنسيًا في كثير من الصور نقتطف منها:

إني أحببتك فتعال في منتصف الليل

يطيب لقانا                             (البحث 56)

ويكون الحب رمزًا لقضية نذكر من ذلك:

جلست عند المدفأة وقالت

كيف يكون الدمع حبيس العين

إذا ما سقط حبيبي            (الزهرة 9)

ويكون الحب وجوديًا صوفيًا ردًا على الاغتراب -  كما ذكر الشاعر في رسالته:

هذا حبي جاء وجاء

وامتلأ الكون غناء             (قصائد 19)

-         نعم، فليس الحب هنا واحدًا، مع أنه يندغم في دائرة متسعة الحلقات  .

التأدنس

 -         أحس كأن ناجي متأثر بأجواء أدونيس -  الشاعر السوري المجدد ، فهل ترى هذا الرأي

-         أولاً  لا يعيب الشاعر أن يتأثر بأجواء شاعر ،  ولا سيما إذا كان شاعرًا مبرزًا كأدونيس فإذا(تأدنس) صاحبنا فما عليه بأس ، وخاصة إذا لم ينقل لنا صورهُ نقلً. أما إذا أفاد من تعابيره إفادة عابرة ونقل لنا ملامح وأجواء  ،  وسبح في فلكه فلا جناح عليه. فأدونيس يكتب قصيدتين متتاليتين (البحث ص 1، 5) والقصيدة عند ناجي مداليلها مختلفة مع أن النفس الشعري مشابه لنفَس أدونيس:

أدونيس:

            دمشق

           الجسد

           الجسد العاشق في سريره

           كالقوس والهلال

          ..................

           والشجر القائم حول غرفتي

           ووجهي تفاحة

               وحبي وسادة جزيرة

          ناجي:

يصيح الصائح هذي دمشق

          وهذي المغاور في جوفها

          وهذا حصان الهوا يسترد غرامه   [3]

يلاحظ القارئ أنه ليس هناك تطابق ، وإنما تنتزع الصور من مقلع واحد... وناجي له قصائد حلم(قصائد ص 3 وما بعدها) وأدونيس له قصائد حلم  [4]، بل لفظة حلم وألفاظ أخرى : كالخاصرة، الشجرة، الظل، الطير، النهر، تتردد عند الشاعرين بصورة ملموسة.

أرجو أن تقرأ أدونيس ،  وليكن الأمر اتفاقًا:

وصعق الشجر

             حزنًا على الطيور الأسيرة

                         في الجانب الآخر من خاصرة النهر   [5]

ويقول أدونيس:

تكبرين في الجهات كلها

تكبرين في اتجاه الأعماق

تتفتحين لي كالنبع

وتستسلمين كالشجرة

وأنا كنت عالقًا بأبراج الحلم

أرسم حولي أشكالي

أبتكر أسرارًا أملأ بها ثقوب الأيام   [6]

-         لاحظت أن الألفاظ متقاربة جدًا ،  بل قول أدونيس  "أرسم حولها أشكالي"

قاله ناجي أكثر من مرة.... وعلى سبيل المثال:

أرسم أشكالاً أخرى               (الزهرة 18)

بل إن الروح الصوفية عند أدونيس وهي التي تظهر في أكثر قصائده -  نجدها عند ناجي:

 

وأنا التلة إذ تحلم بالحب

بأشجار الصنوبر

وأنا المحبوب يأتي                       (قصائد 24)

و

ناشدتك أن يبعث محبوبي

في كل مكان من جسدي            (البحث ص 82)

و

نحن المعرفة ونحن الشوق

ونحن الشارع مهجورا

نحن العشاق                               (البحث ص 46)

فحتى عنوان (البحث عن الزمن) فيه أثر من أفكار أدونيس:

فأدونيس يرى أن الشعر الحديث يتخطى عن أغلال الزمن- الحادثة الواقعية والأفكار المسبقة ، فهو ليس انعكاسًا لشيء ما ،  بل فتحًا وكشفًا لعوالم جديدة  [7].... يقول ناجي في رسالة إلي:

 

"وكم أحب أن أتحدث عن إدخال الأبعاد الصوتية في عالم القصيدة ثم عن التجارب الحركية" وهذه التعابير كأنها مقتطعة من مقال كتبتها خالدة سعيد ضمنت في كتاب (البحث عن الجذور):

"النقد يدرس دلالات الكلمات واقترانها ويبين اتجاه حركات القصيدة ويسمي أصواتها ويوضح علاقة هذه الأصوات ببعضها ويشير إلى أبعادها "  [8]  ونحن نعلم أن خالدة سعيد هي زوج أدونيس ، ومفاهيمها متقاربة إن لم تكن متطابقة.

وإذا كان أدونيس قد أشار إلى عبد الرحمن الداخل  [9] ومهيار  [10] فإن شاعرنا فطن إلى ذلك كذلك :

بكى مهيار

فبكت فينا الأشياء

ومضينا

يا عبد الرحمن الداخل: إن العتمة

في الضفة تقتلع الأشجار، يا عبد الرحمن أغثنا

لكن الشاطئ أقصانا عن عبد الرحمن                            (البحث ص 75)

ومع ذلك فناجي لم يستعمل الرموز والأسطورة كما وردت عند أدونيس ،  وخاصة فينيق بروميثيوس، أوليس، أورفيوس، المسيح ، العنقاء، والخضر وغيرها. ونلمس الصيغة الأدونيسية في طرح الأسئلة مما يقدم الجو لنفسه:

أدونيس:

من يريد طريقا من البرق، من منكم الرفيق

حان ميعادنا

من يلم البقول

من يهز الغصون الخفية   [11]

ويسأل ناجي:

من يأتي

في هذا الليل

يسقط في وهم الإبداع

من يتوهج فوق صخور الشاطئ

من يصرخ في هذا الصمت

يبعث في الأنحاء الوحشة

ويكون الشعر

ولست محتاجًا بعد لإثبات التأدنس عند الشاعر وحومانه في فلكه ، وأؤكد هنا أن التأثير إيجابي يحافظ الشاعر فيه على شخصيته وبحثه عن ذاته.

-         وكيف يتجسد هذا البحث؟

-         إنه يتجسد في التواصل بين الأب والابن

-         و أواه على بابنا ضاع- يابا- العمر   (البحث ص 60)    [12]

يحرقني الشوق إلى طفل يولد من صلبي

يحمل اسمي ويغني أغنيتي                          (قصائد67)

 


 


[1]  -  ناجي ظاهر :  البحث عن زمن آخر  ، منشورات الأسوار ، عكا – 1978 ، ص 6 . وسنشير باختصار (  البحث .. ) وستضم الدرسة  مادة الكتابين الآخرين :  قصائد إلى أبي حيان التوحيدي   ، بختصار (  قصائد ... ) ، إصدار الشرق ، حيفا – 1979 ، وكتاب  الزهرة اليابسة  ، وباختصار (  الزهرة...  ) ، دار المشرق ، شفا عمرو – 1980 .

[2]  -   رمز الشجرة لدى أدونيس يدل على التحول والهجرة – التحول من الماضي إلى المستقبل ، فالشجر " جالس في الضوء في فلسطين " ـ والضوء هنا رمز الحقيقة ، وفلسطين هي الحقيقة التي تنتظر أن تنقلنا من الزيف الذي نحياه . ( انظر عن رمز  الشجرة  عند أدونيس في كتاب أحمد ساعي :  حركة الشعر الحديث  ، دار المأمون للتراث – 1987 ، ص 136 وما بعدها .

[3]  - انظر  المجموعة الكاملة لشعر أدونيس  ، ج 2 ، دار العودة ، ص 322 – 324 .

[4]  - م . ن ، ص  555 ، وما بعدها .

[5]  - م . ن ، ص 311 .

[6]  - م . ن ، ص 118 .

[7]  - انظر غالي شكري :  شعرنا الحديث إلى أين  ، دار المعارف بمصر ، ص 110 0.

[8]  - خالدة سعيد :  البحث عن الجذور  ، إصدار مجلــة  شعر  ، ص 14 .

[9]  -  المجموعة الكاملة لأدونيس  ، ج 2 ، ص 43 ..

[10]  - م . ن ، ج1 ،ص 327 .

[11]  -    م . ن ، ج 1 ، ص 77 .

[12]  -   انظر الروعـــة في قوله   بابـــا  العامية !

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام