د. فاروق مواسي 

كلمات سجينة الرؤيا والإشعاع >>

 أرضية الحوار:  كتاب  كلمات سجينة [1]

تقديم:    

               أسطر بالقلب هذي القصيده

               ليعرف شعبي

                كيف تصاغ الحياة المجيده  [2]

 -      وماذا في المجموعة؟

-         اثنتان وعشرون قصيدة لعشرة شعراء هم: محمد عبد السلام، عبد الله الزق، محمود الغرباوي، نافذ علان، وليد مزهر، مشهور سعادة، عمر خليل، وليد حطيني، وليد قصراوي ومؤيد عثمان ،  وأبرزهم أولهم.

-         وكيف تحكم على ذلك؟

-         الحكم انطباعي. ففي قصائد عبد السلام الأربع التي نشرت قبل ذلك في خواطر من الزنزانة  [3] نجد هذا العزم والتحدي ،  والخط الفني الذي نظم القصائد جميعها ،  اللهم إلا قصيدة وليد حطيني  [4] ففيها أبعاد كونية فلسفية ،  وقصائد الغرباوي [5] ففيها توزيع مأساوي جديد.

 وما استطعت أن استخلص من شعر عبد السلام أنه مشحون بالعاطفة المثيرة، تتراوح كلماته بين العمق والسرعة والانفعال، وهو إذ يحمل عقيدة ،  ويتبنى موقفًا يسير باتجاه السهم، وهكذا تترجم الكلمة واقع حاله ،  فلا بد لها من توصيل ،  ولا بد لها أن تكون موصولة للحرارة. ففي "  بيان إلى الرفاق " [6]  يشير الشاعر إلى أنه منتم إلى الثورة التي تحمل الشموخ والفداء والعطاء... لكي يوقف نزيف دمائه ويصون كبرياءه. يقول ذلك بوضوح الأداء، " والجمهور بحاجة إلى شعراء يسجلون ألمه وأمله بطرق تعبير مختلفة كاختلاف مشارب الناس...."  [7] وهنا شاعرنا يصرخ:

ولم أعد مميعًا

ولم أعد مقوقعًا

في قمقم استيائي

لأنني بثورتي تجددت دمائي

وقفت في رجولة لأعلن انتمائي [8]

-         لتنس عاطفتك ولتكن موضوعيًا! ألا ترى أن الأفكار هنا مباشرة وعارية من الصورة المكثفة؟

-         ألا ترى أنه سرد ونثر مشرّب بالشعر يكتسي فيه الوزن والإيقاع ،  ولا يصل إلى روح الشعر وتوثبه؟

-         ولنفرض ذلك جدلاً؟ وماذا عسى أن يضيرنا إن كان شعرًا أم لا؟ أليس هو بالكلام الرائع؟ أليس هو  أدبًا محركًا يهز وجداننا ويناغي آمالنا؟ نعم إن في قصائده نثرًا مباشرًا فيه تحديد إطار، لكن بعضها يحمل في طياته صورًا موحية، وهاك نموذجًا:

تمرد المسيح

ورغم ما ينز من دماء

ورغم رغم كفة الجريح

......................

أغار مثل الريح  [9]

-  أنت معجب بهذه الأبيات،ربما لأنها قريبة لأبيات :

 ضفرت تاجي كالمسيح

لكن

سأرفض صفع خدي الأيسر

وأنا جريح [10]

 -   ربما، فالنقد يخضع أكثر ما يخضع للذوق الشخصي، ومن ينكر ذلك فكأنه  يقوم بعملية تشريح جثة.

الانفعال عند عبد السلام في أبياته التي ذكرتها فني موحٍ يتولد من انهمار الذات بتجاربها وحصيلتها الثقافية. وفي الأبيات التي سأوردها تجد تمازجًا بين الانفعال والروح الصوفية:

تيقنت أني بحبك أنت

تسامت حياتي وأزهر موتي

فحلقت حلقت

حتى تحولت- نفسي- قصيدة  [11]

 بل إن قصيدة  عبد السلام ( وكان الحاكمون تتارا)  [12] تجد فيها خيالاً وإبداعًا ،  ففيها يتخيل الشاعر نفسه بعد التحرير الذي يرتقبه -  يقص على مسامع طفلة حكاية هذا الشعب المنكوب. ولنأخذ شريحة من هذه الحكاية،  فقصة دير ياسين:

 

وأذكر أيها الأطفال

أذكر طفلة بيضاء

في عمر الرياحين

جدائلها مروج القمح

ضحكتها

انفلاق اللوز والرمان والتين

إذا ابتسمت

تجمع في ابتسامتها

ملايين الحساسين

وإن ضحكت

تدلى في السما  قمر

وأقبلت النوارس بالملايين

وكانت أيها الأطفال

تدعى دير يا.....

آخ فإن الاسم يكويني   [13]

 

هذا شعر غنائي مشحون بالمعنى يقف مرفوع القامة أمام نماذج الشعر الإنساني العالمي في مدرسة لوركا وحكمت وأراغون.

وعندما يسقط الشاعر في  مقاومة التتار يصف لنا حاله:

يداي مكبلتان إلى الخلف فوق الجدار

ولسع السياط  كجمرة   نار

تغوص بجسمي حتى القرار   [14]

أصدقك أنني رأيت مثل هذا المنظر الذي يصفه الشاعر في غزة بعد الاحتلال بأشهر، فجاء عبد السلام وسجله عني. أتراه سيبحث لنا عن معان مغلقة مبهمة؟ أفمن يأكل السياط كمن يعدها؟

-         تتار تتار كررت أكثر من مرة .    عبد الصبور استعملها [15]، والسياب رددها  [16] ،  ثم صرخت فيها أنت في قصيدتك "أسماك القرش" منهيًا نصك بالهتاف : فليخذل التتار !  فليخذل التتار! [17]  فنقد ناقدك أن التتار شعب له حضارة ،  وله تراث ،  وبالتالي فهم ليسوا رمزًا للهمجية.  [18]

-         التتار اسم عام يطلق على شعوب اكتسحت أجزاء من آسيا وأوروبا بزعامة المغول في القرن الثالث عشر. وقرب انتهاء القرن السادس كان تتار روسيا قد وصلوا إلى درجة عالية من الحضارة ،  ويظهر تأثيرهم في كل تاريخ روسيا،  ويعتنق بعضهم الإسلام. [19]ومع ذلك فإن طابعهم العام يظهر في أنهم جماعة خلفوا الخراب بدءًا من جنكيز خان وانتهاء بهولاكو، ولعل المدلول السلبي للكلمة كان بتأثير الاستعمال الإنجليزي tartar  الذي يعني وحشية التصرف ومرادفاتها.

-         أكثر شعراء المجموعة التي نتناولها عبروا لنا عن الوضع الذي كان سببًا لتحولهم إلى درب النضال:

عبد السلام يقول:

بعد أن تعفنت جوانحي

وبعد أن تمرغت ملامحي في الزيف والرياء  [20]

وغرباوي يقول:

وتنفض الغبار والسكينة

عن وجهها المغروس بالرمال   [21]

وليد مزهر يقول:

ومضت سنين العمر في آلامها

والقيد من بعد العذاب تمزقا  [22]

وليد قصراوي:

وعندما ألقيت الحريق بوجهي القديم

وصمتي القديم

وذلي القديم

أدركت ما اريد

................

بأنني بعثت من جديد  [23]

فمعانيهم تتردد وكأنها لازمة لا تحمل في طياتها أبعادًا مستجدة.

-         ألا ترى معي أن قصائد الثورة الجزائرية وقصائد السويس لم يبق منها ما خلد، فالتناول لم يكن فنيًا بقدر ما كان سرديًا؟ ثم لنقرأ هذين البيتين لعبد السلام:

طُرحت ألف دورة من الزمان

مهملاً في البرد والعراء    [24]

قضيت ألف دورة من الزمان

وفي دمي تزمجر الحرائق   [25]

أولاً  : لماذا يصر على (ألف دورة من الزمان)

وثانيًا: كيف قضى وقته حقًا؟

-         في البرد والحر قد يري أن يؤكد صورة العذاب، أما المعاني المشتركة فما أكثرها! ومنها ما يروعنا بصدقه.....يقول عبد الله زق:

سأنسج من دمي ورموش عيني

ومن عصبي

حروف قصيدتي لعيون خلاني

.......................

فغنوا يا رفاق القيد

غنوا وازرعوا السجنا

قناديلا تضيء الليل

حتى مطلع الفجر    [26]

ويقول نافذ علان:

ومن عصبي سأنسج كل خيط

به علمي يرف على المنابر   [27]

وعمر خليل يقول:

مهرناها بغالي الدم كي تؤتي لنا ثمرة

نسجنا من رموش العين أستارا

لكي ترعى لنا الزهرة

فلا تقطع   [28]

فالتناول سردي ،  ولكنه يحمل شحنات شعرية لا لبس فيها ولا مراء .

-         كيف يبرر الشاعر استعمالهم ألفاظ (السلاح)؟  [29]

-         في قصيدة مؤيد عثمان [30]  يبرر شراسته وحقده وعنف نضاله وعناده وتخطيطه للموت بسبب أنه ظُلم واستبيح فلا مساومات......

-         لقد استثنيت شاعرين وذهبت إلى أنهما يعزفان على وترين مختلفين : الأول وليد حطيني والثاني محمود الغرباوي.... فدعنا نتعرف إليهما.

-         الأول في قصيدته " أيها الكائن الغريب " [31] يثير تساؤلات على صعيد فلسفي سئلت وتسأل وستسأل، والإنسان يموت جاهلاً مصيره عائدًا إلى مجهول أكبر مثله:

-         ماذا يعني هذا الكون

               هذا المكان

 من ابن إلى أين  متى ماذا ولماذا

والثاني تنبض أشعاره بأنفاس البياتي والقاسم، عنده الأسلوب القصصي وحرارة الاندفاع، قصيدته إنسانية متماسكة وتحس أن كلماتها رقيقة رائعة:

الريح تلفح صدر صحراء الحياة

والشمس ما زالت تهز النائمين

النائمين على الطريق العابر التاريخ من شلال نور

....................

 زحف الجياع

وحقائب المطر الغضير

مدت كؤوسًا صوب أفواه الرمال

فتثاءبت أعشاب حب   [32]

وفي قصيدة أخرى يقول:

صخر على قيثارتي

وضبابك الشتوي يحضن هامتي

ما زال حضنك في السلاسل راسفا

في الكهف ينتظر الرجال

والساحر القدسي في ريح الشمال

عرى بوجد منكبيه

صلى (لطير الصاعقة) 

ولست في حاجة لبيان كيف تضيع أنفاس الشعراء في نفس الشاعر.

-عين الرضا عن كل عيب كليلة، ولعلك أحببت شعر الشاعر لأنه سبق أن كتب لك رسالة من سجن غزة المركزي وسأقدمها للقارئ لرشاقة عبارتها وصدق انفعالها:

" شاعري العزيز فاروق: تحية طيبة وبعد،

الشعر تلك المدينة التي التقينا على شوارعها، ذلك المرفأ الذي شهدنا تألقه معًا، تلك المدينة التي طفنا شوارعها وحاراتها ، وما زلنا نستنشق عبير أجوائها ،  ونركب قطاراتها ،  وندق أجراسها ، ونفتح أبوابها ونوافذها، مدينتنا والأسوار وقلوبنا بلا حدود تتسع وتتسع لتحوي المدائن ليس كلها  ،  والبلابل ليس كلها ، والسيول......

عرفنا فيك تأبين الأب  (بابلو) وميلاد (رجل)  [33] ، عرفتك ولم تعرفني مع أن وجهي غارق وعيناك زرقاوان، مع قصائدك أعود إلى عالمي ،  ومع الحرف المنير من شفتيك يختلج قلبي بحب الزنابق.

عزيزي. لا تتسع الرسالة لما أود قوله عن الحب والمرفأ والحياة.........

وأخيرًا. تحياتي وتمنياتي بأن يظل يا فاروق يراعك نهرًا وسحابة تنبض ،  ولا تنضب بالحب والسلام والحياة أبدًا ....... وإلى اللقاء مع الكلمات التي لا تموت.

13 يوليو 1974

محمود محمد الغرباوي

-         أصدقك أن شعره رائع مثل نثره الذي قرأت، والشاعر المجيد لا بد أن يكون ناثرًا مجيدًا. وختاما عليهم جميعا سلام ........ وأهديهم ثانية قصيدتي (وأي مهند).[34]

 

تموز- 1978


[1]  -  أستميح القارئ عذرًا إذا استشهدت ببعض كتاباتي ما دام الحوار ذاتيًا فأرجو ألا يحسب القارئ ذلك علي . أما الكتاب فهو   مختارات من شعر جنود الثورة الفلسطينية في سجون الاحتلال   كلمات سجينـــة  : إعداد أبو فلسطين ( ولعله محمد عبد السلام ، وهذا التخمين بعد متابعته في ديوانه  خواطر من الزنزانة  ، وهو الطبعة الأولى لمجموعة  كلمات سجينة  ، سجن بئر السبع ، 1950 ( 50 نسخة بخط اليد ) . أما الطبعة الثانية فصدرت عن مركز الأبحاث ، بيؤوت – 1976 . ، والطبعة الثالثة – القدس ،1977 . والإهداء :

( إلى شعبنا الصامد البطل وكل الشعوب المناضلة من أجل حريتها ، إلى ثورتنا المظفرة والماجدة وكل الثائرين على الظلم والنهب والاستغلال ، إلى أحرار العالم ومعيدي بنائه من جديد على دعائم الحق والعدل والاشتراكية  ) ، ص 7 .

[2]  -   كلمات  ، ص 79 .

[3]  -  محمد عبد السلام :  خواطر من الزنزانة  ، د . ت ( 160 صفحة ) .

[4]  -  قصيدة " أيها الكائن الغريب " ، ص 55 .

[5]  -  القصائد على التوالي : " جيفارا " - ص 17   ، " الزحف الأحمر " – ص 30 ، " السجن الماطر " – ص 38 .

[6]  -  -   كلمات  ، ص 9  وفي  خواطر من الزنزانة  ، ص 74 .

[7]  -  فاروق مواسي :  في انتظار القطار ،  ص 26 .

[8]  -  -   كلمات  ، ص 10 .

[9]  -    كلمات  ، ص 36 .

[10]  - فاروق مواسي :  في انتظار القطار  ، ص 26 .

[11]  -   كلمات  ، ص 82 .

[12]  -  ن . م ، ص 84 .

[13]  -  م . ، ص 87 .

[14]  - ن . م ، ص 80 .

[15]  -  صلاح عبد الصبور :  الناس في بلادي  ط 2 ، دار المعرفة – 1962 ، ص 51  ، والقصيدة هي " هجم التتار " .

[16]  -   المجموعة الكاملة للسياب ج 1  ص 472 .

[17]  - مجلة  الجديد  العددان 11 – 12  /1977 ، ص 44 والمقال لعبد الحكيم سمارة بعنوان " انتفاضة فاروق مواسي الجديدة " .

[18]  -  الموسوعة العربية الميسرة  ، مادة " تتار " .

[19]  -    كلمات  ، ص 12 .  

[20]  - م . ن ، 17 .

[21]  - م . ن ، ص 25 .

[22]  - - م . ن ، ص 64 .

[23]  - - م . ن ، ص 11 .

[24]  - - م . ن ، ص 60 .

[25]  - - م . ن ، ص 14 .

[26]  - م . ن ، ص 23 .

[27]  - م . ن ، ص 52 .

[28]  - - م . ن ، ص 20 ، 22 ، 26 ، 51 ، 61 ، 77  .

[29]  -  "  أين المفر  " ، ص 65 ، ونظيرها نجد في ص 18 ، 21 ، 44 ، وغيرها .

[30]  -  كلمات ، ص 55

[31]  - - م . ن ، ص 33 .

[32]  -  م . ن ن ص 42 .

[33]  -.  قصيدتان لي في ديواني  غداة العناق  : " أغنية إلى الإنسان بابلو نيرودا " ، ص 30 ، و  " رجل "  ، ص 33 .

[34]  -   في مجموعتي  يا وطني  ، ص 47 ، وهي مهداة إلى سجناء الحرية في كل مكان

 

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام