د. فاروق مواسي 

دراسة جديدة عن شعر عبد الرحيم محمود

الرؤيا والإشعاع >>

صدرت مؤخرًا دراسة هامة عن شعر عبد الرحيم محمود أعدها الأستاذ محمود غنايم، ومن العجب أن تصدر الدراسة تحت عنوان محمود غنايم بين الالتزام والرفض ،  وبدهي أن مسؤولية ذلك تقع على المشرفين على الطباعة وإخراج الكتاب، فليست الدراسة عن محمود غنايم ، وإنما هي له.

وملاحظة أولية أخرى حول العنوان – بين الالتزام والرفض-  فهذا العنوان – حسب رأيي -  صارخ لا يتلاءم ومضمون الكتاب كمحتوى وكمنهج.

يبدأ السيد غنايم دراسته بمقدمة طويلة عن  الشعر الوطني والقومي قد تنطبق على دراسة أي شاعر معاصر كشوقي وحافظ ومطران وأضرابهم ، فلا معنى لهذه الإطالة في الخلفية، وإذا كان لا بد من الحديث عن الشعر الوطني ومعارضة ظلم الأتراك فما أحرى الكاتب أن يقف على رأي عبد الرحيم محمود كذلك، حيث  يقول:

والترك قد كبروا وإنا معشر

                                    كبر وفوق تكبر المتكبر

ومن غريب الأحكام ما قرره الكاتب معتمدًا على أدونيس في – الثابت والمتحول- " فلو نظرنا إلى الأحزاب السياسية في الدولة العباسية مثلا فإنها لم تناد بالقومية العربية ، ولم تقف الحركات الشعوبية في وجه العرب كقوم ،  بل وقفت في وجه الإسلام كدين"

يقول المؤلف غنايم :

" لقد كان الاتجاه العربي في الشعر حينها اتجاهًا شخصيًا، فالمتنبي يفتخر بقوميته ،  ويهاجم من شعور شخصي ،  وليس عن وعي عميق بالعرب كقومية "  (ص20)

والواقع إن الشعوبية كانت تسخر من العرب ،  وليس أدل على ذلك من كتاب (العصا) للجاحظ، وقد تحصنوا باسم الدين الذي ساواهم والعرب تحت شعار- لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى- وكذلك ما جاء في القران {  وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } ومن كلمة شعوب الواردة في الآية اشتق اسمهم.

ثم يقرر الكاتب إن المتنبي يهاجم من شعور شخصي ... وفي هذا خطأ، فالعروبة – شأن كل قومية- تكتسب معناها من مقابلها، وإحساس المتنبي بعظمة العربي نابع من احتقاره للعجم يقول الشاعر:

(وإنما الناس بالملوك وما

                                    تفلح عرب ملوكها عجم 

لا أدب عندهم ولا حسب

                                       ولا عهود لهم ولا ذم

بكل ارض وطئتها  أمم

                                      ترعى بعبد كأنها غنم

 يستحسن الخز حين يلمسه

                                   وكان يبرى بظفره القلم)

وقصائد المتنبي العربية كثيرة متناثرة في ديوانه، ولا نستطيع البت بسهولة إن قوميته نابعة من اتجاه شخصي محض.

ويرى السيد غنايم أن الاتجاه ألفلسطيني في الشعر القومي ظهر واضحًا في الثلاثينيات من هذا القرن (ص13) ،  ويطرح تساؤلات من الصعب الإجابة عنها ،  ولم يجب الكاتب بالرغم من الوعد الذي قطعه على نفسه:

كيف نميز شعرًا مصريًا عن شعر سوري أو شعر فلسطيني في هذا الموضوع – موضوع فلسطين؟ ؟

هل هي مسألة اللون المحلي ؟  هل هي  مسألة الكثافة ؟  هل هي مسألة الصدق الفني؟

 وربما من الأفضل أن نؤجل الإجابة على هذا السؤال إلى نهاية حديثنا..... وقد لا نجد سببًا مقنعًا لزج الكاتب نفسه في أسئلة لا يستطيع أن يخلص من ورائها إلى نتيجة حاسمة يجزم فيها، فمن الجلي أن يكثر الشعراء ألفلسطينيون كثافة لأنهم أصحاب القضية أولاً.

ثم يعدد الكاتب ميزات ميزت الشعر ألفلسطيني دون تحديد لهوية الشاعر منها، ومجمل الميزات قد ينطبق على أي شعر ثوري في أية فترة، وهذه الميزات أشار إليها السوافيري في كتابه (الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين) بصورة استعراضية ،  ولم يجدد الكاتب فيها.

 وما دمت أصف هذه الطريقة بالاستعراضية فإنني مضطر للعودة إلى المقدمة التي أراها غير ضرورية ، وذلك لأنها لا تركز على موقع شعر عبد الرحيم من حركة الشعر القومي ، وكل ما كان فيها هو استعراض انتقائي، وكان يمكن أن نضع أغلبها في الحواشي والهوامش. ففي ترجمة الشاعر يقول السيد غنايم وهو يمر سريعًا على حياته-:

إن أول من رثى شاعرنا هو الشاعر ألفلسطيني حسن البحيري... ويستطرد ليذكر لنا مطلع قصيدته، وكان حريًا بملاحظة كهذه أن تكون في الحاشية كما أشرت... وما أكثر أشباهها!

وقارئ الدراسة يرى أنها تتحدث عن إبراهيم طوقان أكثر منها عن عبد الرحيم محمود، لأن الدراسة أسلوبية أصلاً، وتبرير الكاتب أن هذه المقارنة " .... حتى لا يبقى عبد الرحيم (معلقًا في الهواء) غير مقنع قطعيًا، فثمة نقاط التقاء ونقاط اختلاف بين كل شاعر وشاعر وهذا طبيعي، وحبذا إن كتبت الدراسة عن كليهما وتوسع لشاعر في مسح أشعارهما.

وفي باب (الالتزام في المضمون) يركز الكاتب على نماذج من أدب القوة وطريقته تحليلية وتفسيرية لأبيات متفرقة قيلت في مناسبات مختلفة، ويحاول الكاتب أن يثبت نغمة طاغية على شعر عبد الرحيم (الدم...........البطش العنف)  ،  فهذه النغمة قد تواكب الشعر ألفلسطيني عامة منذ أول نشوئه ،  وهي ليست قصرًا على عبد الرحيم، كما أن المواضيع التي طرحها الكاتب بأن الشاعر عالجها نحو : الماضي العربي والوحدة والتحذير من الزعامات والاستعمار- هذه المواضيع عهِدها الشعر القومي ،  وهي ليست مقصورة على الشاعر.......

ولا أدري ما هو الدافع العلمي الذي يبغيه الكاتب من وراء التأكيد على (لا يساريته):  " ويشهد على ذلك أنه كان يعمل في جيش الإنقاذ الذي شن هجومًا على مدينة الناصرة للقبض على العناصر اليسارية فيها" ومصدر الأستاذ غنايم نشرة (الجليل) التي أصدرتها رابطة الجامعيين في الناصرة – أيار/1977

ويقول الأستاذ محمود:

" إن عبد الرحيم محمود لم يتمتع بثقافة يسارية نظرية ،  وهذا يظهر في قصائده التي عالجت الموضوع"

فمثل هذه الأحكام لا يمكن أن تكون دقيقة ومنصفة .  ويمكن أن يقول الكاتب مثلاً  - إذا أصر على ضرورة ذلك في البحث:

إن الشاعر لا تظهر في قصائده مصطلحات يسارية قد ترشد القارئ إلى ثقافته الأيدلوجية.

والفرق بين المعنيين واضح.

ويحاول لكاتب أن يرمز إلى أن ثمة فرقًا بين شعر الغزل وشعر الحب عند عبد الرحيم ، وذلك  من غير توضيح ،  بل هو في ثنايا حديثه يخلط بينهما . والأغرب من ذلك أن يرى الالتزام ينطبق على الحب ما دام صاحب الحب أبي النفس رافضًا ومعتزًا بنفسه ،  ولا أدري ما هو المبرر لهذا؟

أهو مجرد رأي قاله رئيف خوري فبنى عليه الكاتب.........(انظر رئيف خوري، الأدب المسئول ص 50)

ثم إن تقسيم الغزل إلى فترتين -  واحدة يقلد فيها الشاعر ويكتب مجاراة للشعراء- وتكون كلاسيكية المبنى- وواحدة يصدق فيها الشاعر – يجدد فيها لغته – هذا التقسيم خطِر ،  ويؤدي الى مزالق  أرى أن الكاتب في غنى عنها.........

ومن الأحكام المتسرعة ما ورد عند الكاتب أن بيت عبد الرحيم:

(لا تناسيني فإني بالهوى من ذكرياتك)

(لا يحمل معنى واضحًا) كما يشير إلى بيت آخر واضح الأداء ويصفه – بالضبابية- والبيت هو :

 لا تقل أين جسمه

                        واسمه في فم الزمن

وفي باب الميزات الأسلوبية يركز الكاتب على روح المتنبي. ويحاول أن يجد تعابير وألفاظًا مشتركة وفق الكاتب إليها ، بينما بعضها لا يقنع، فاللفظة ليست ملكًا لأحد، ولا نستطيع أن نحكم على تأثر عبد الرحيم إذا  استعمل لفظة (عتاق):

وإذا عتاق العرب توري في الدجى

                                          قدحًا وتصهل تحت كل غضنفر

لا لسبب إلا لأن المتنبي استعمل هذه اللفظة:

(ولا تستطيلن الرماح لغارة

                                  ولا تستجيدن العتاق المذاكيا)

وقس على ذلك الكثير.

ولعل أبرز تأثر مقنع ما أورده الكاتب (ص58) مقارنا بين قصيدة (جيش العجائب) لعبد الرحيم محمود وقصيدة (حي الظباء) للمتنبي.

 

ثوب ليس على القد

 

ويحاول الكاتب أن يطبق على عبد الرحيم مقاييس الشعر الحديث -  كالوحدة الموضوعية والابتعاد عن الحكمة والخلاصة والخطابية والتكرار والمقابلات، ولا أدري ما هو المنطق الذي نطالب به الشاعر أن يكتب على طريقة – المعادل الموضوعي- وأين هذه في شعرنا القديم.

وهذا لا يمنعني من إيراد قصائد كثيرة فيها تناسق وبناء موضوعي ،  وفيها ما يلائم طبيعة الشعر الحديث مع أن هذا غير مطالب هو فيه.

ومن غريب الأحكام كذلك:

"إن الاقتباسات التي يقتبسها عبد الرحيم محمود لا تحتاج إلى عارف بالقران حتى يكتشفها " (ص66)

فهل يعني الكاتب أن كل قارئ يهتدي إليها لأنها واضحة؟

ويضرب مثلاً قول الشاعر

          وانهجوا نهجًا قويمًا واعملوا

                    واعملوا لا تبخسوا مثقال ذره

هل يفترض الكاتب أن القراء يعرفون مواقع الاقتباس؟ وما رأيك لو قلت لك إن أجواء آيات كثيرة تتردد في هذا البيت. أقول هذا وأنا أطالب الكاتب أن يجعل جملـَه دقيقة الأداء ،  فيمكنه القول مثلا:

(إن الاقتباسات التي يقتبسها عبد الرحيم محمود يكتشفها قارئ القران دون عناء كبير) .

والفرق بين المعنيين واضح.

ويذهب الكاتب إلى أن الشاعر غير مطلع على الأدب الغربي أصلاً أو مترجمًا (ص70) لا لسبب إلا لأنه أنهى كلية النجاح الثانوية ، وكأن القراءة والاطلاع لا تتأتى إلا في جدران المدرسة، وكان الأجدر بالكاتب إن يتغاضى عن هذا ألفصل .... ما لم يكن ثمة دليل على ثقافته الغربية أو دليل على نفيها.

ثم إن شوقيًا ثقف الثقافة الغربية ،  وقلما بانت في شعره معنى ومضمونًا فماذا يعني ذلك؟

 وماذا نريد القول؟

ومما يلاحظ في كتابات الأستاذ غنايم أنه يحاول أن يحكم ويبتّ -  مع علمه بوجود ما يناقض حكمه من ظواهر وبيّنات ، فهو يتوصل إلى أن القصائد الوطنية هي لكلاسيكية البناء بصورة عامة .... ونظرة في ديوانه فإننا نجد الكثير مما ينفي حكمه.

ويقول الكاتب إن قصائده الغزلية المتأخرة جاءت على بحور خفيفة وليست كلاسيكية (وكأن البحور جميعها ليست كلاسيكية ؟؟؟؟؟؟) ويجد الكاتب أن الشكل يلتحم بالمضمون في شعر عبد الرحيم  ، لأنه يتناول الموضع الساخر بألفاظ عامية  ، علمًا بإن السخرية واردة أيضًا في قصائد فصيحة محضة، ومن االعجب العجاب أن يرى الكاتب "  أن العامية هي تطور طبيعي في كتابة كل شاعر " (ص104)

والفصل الأخير فيه مقارنة بين طوقان وعبد الرحيم محمود قد أعود إليها في مقال لاحق ،  لما فيها من أحكام وتقريرات سريعة وغير دقيقة .

وأستميح القارئ عذرًا إذا خلصت إلى الخلاصة التي يقول فيها الكاتب:

" فما قدم للشعر القومي من مواضيع لا يعدو تكرارًا لما قال الشعراء من قبله ،  ومكانه الحقيقي يجده في شعره الذي قال عن العمال، وهو الوحيد بين شعراء فلسطين الذي كتب عن هذه الطبقة".

فإذا كان الكاتب مقتنعًا بذلك فإنه كان عليه أن يبحث هذه القضية بقضها وبقضيضها ،  وقد أثارها عبد الكريم الأشتر قبله بصورة تفصيلية، وكان حريًا أن يوازن هذا الاتجاه بالذات مع شعراء عرب آخرين، وكان حريًا ألا يُغفل شعراء فلسطينيين اشتراكيين آمنوا بالعمال وحقوقهم ،  فعبد الرحيم محمود ليس الوحيد ،  وإنما هناك محمد إسعاف النشاشيبي وخاصة في – رثاء تولستوي- و (فلسطين والاستعمار) وهناك اسكندر الخوري البيتجالي (وجدير أن أذكر أنني استمتعت إلى مناقشة رسالة عنه أعدها الدكتور ألفلسطيني خليل الحسيني لجامعة الأزهر ،  وقد بين الدكتور نماذج كثيرة واردة في شعره تحض على حق العمال ) ، وهناك إبراهيم الدباغ في فلسطينياته ،  وأبو الإقبال اليعقوبي ،  وأبو سلمى ، وفؤاد الخطيب وحسن البحيري والقائمة تطول.

(انظر: حياة الشعر الحديث لعبد الرحمن ياغي ص 223، موضوع اتصال الشعر بالقاعدة الشعبية)

 

وأخيرًا     

 

لا يسعني وقد تركزت على المآخذ إلا أن أحيي الأستاذ محمود غنايم على جهده الدؤوب الذي بذله في التنقيب عن المصادر ،  وعلى محاولته المخلصة في استخلاص النتائج ، وفي دراسة شعر شاعر نحن في ضرورة للتعرف عليه ، وخاصة في ظروفنا الراهنة . فجاء  هذا الكتاب الذي لا بد منه لكل دارس ليسد ثغرة ، فإن كنت قد قسوت فلأن أمامي كتابًا جديرًا بالقراءة -  أعده المؤلف بجهد محمود يغبط عليه.

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام