د. فاروق مواسي 

الشعر الأفيوني

الرؤيا والإشعاع >>

أرضية الحوار:

(قصيدتان)  [1] نشرتا في مجلة الشرق  (آب- كانون الأول 1977) ص7

- تقول إنهما قصيدتان؟! ؟!

- بين قوسين، ثم لا تنس أنهما على بحر الخبب، وباسم ما تداركه الأخفش دخلت هذه الكلمات في حرم الشعر كسواها. ثم أليس فيهما الإيحاء وكثافة المعنى وفيهما أبعاد وصور؟

- صور؟ ولكني لا أفهم أين أنا فيها؟ أو أين هي مني؟ هي كلمات ممسوخة مرصوفة مألوفة وغير مألوفة، فيها جملة أو بعض جملة -  مما يقبله الوجدان ،  ويدور الباقي في دوائر الهذيان ،  ولنبدأ:

 

ك.في البدء أضأت العالم بالشعر حملت قوانين الله المتقدم في أمطار المدن العذرية والباحث في مملكة الكون عن النار، سمعت طيور الندب المضفورة بالخوف تراشق بالألفاظ المخصية بالنزع وبالأحقاد العصرية.

فاقرأ وأفهم! أرأيت كيف تخصى الألفاظ حقًا؟؟

- لو تضيء عقلك كما أضاء (الشاعر) عالمه بالشعر لفهمت كيف يتقدم الله في أمطار المدن العذرية يبحث في مملكة الكون عن النار، ولكنك لم تفهم ،  لأنك لم تستعمل أصابع (الحشيش) أو حبوب ل.س.د.  ولو (ذقت) عندها ستنتفخ ذهنيتك بشكل حاد، وستكتب أنت ديوانًا جديدًا على هذا المنوال، ومن لا يعجبه فليشرب الماء والحائط قريب.

- وما علاقة المخدرات؟ وكيف عرفت أن لها سبيلاً عند هذا الشعر؟

- من أنصاف الجمل التي استطاعت ذهنيتي المحدودة التقاطها: ما أضيعني، أستفرغ كالوردة، تترك في فجر الإنسان الحالم حمائم خضراء وبيضاء وأعمدة وجذور (والصحيح جذورًا- ف) ، حدائق غبطة ، إذن لا بد من الماء لأدعوك لقافلتي.

وفي القطعة الثانية:

أدخلت الجمهور مراحيض الحشاشين وقلت سأبصرهم ،  الذاكرة المسطولة بالوعد، الوردية وغيرها.

- وما اعتراضك على ذلك؟ فربما يكون الشعر أجدى وأجود، ألم تسمع بالشاعر العبري دافيد أفيدان الذي أصدر ديوانًا كاملاً أسماه   ل.س.د؟

- من قال إن اعتراضي قد يفعل شيئا ؟   فهذه الكلمات وأمثالها تبقى ما بقيت أعين تقرأ ، وأدمغة تحل طلاسم ....وصحيفة. ولكن لماذا لا تقرأ من هذه التحف وتثقف نفسك؟ وسأنقلها كما هي فأي تغيير قد يؤثر على المعنى:

 

للأرض أعدت غطاء الصدفة جردت طيور الجنس السريالية أطلعت الحلم إلى لحم الحرف شجيرات تتهجى اسم بلاد أنكرها

وتؤجل قارعة القدمين وتمشي

وتحاول أن تتنبأ للشيخ الأدرد بالحسرة

،

،

(مملكة للأفكار وللشهوات ارتفعت يا أيتها الطامة

مملكة وكتاب للأفكار الوردية مزبلة/

تاريخ يتحدر من مزبلة النفي يقاوم/جمهور الكرتون

وفخد فتاة شتوية/لا أنكرها

- هذا كلام سريالي حالم ، وطبعًا هو ينكر بلاده فيها- يعترف-، بل إنه يستعمل كلمة (مزبلة) مرتين، والجمهور كرتون.......ثم انظر إلى الفاصلة ، والأقواس ،  والحرف الأسود ،  والخطوط المائلة؟ كل هذه من شأنها أن ترفع درجة حرارة الشعر.

- بل ارتفعت درجة حرارتي حتى الحفيظة.

- إذًا فانزع عنك عباءة الناقد، فالناقد موضوعي رحب الصدر ورحب الآفاق.

- أوه! انظر كيف يستعمل (قبر) إحدى عشرة مره متتالية (بحرف أسود)..... ألا يكفيه ثلاث مثلا ليدل على التكرار ،  أو على الرعب ،  أو على (قبرية) حياته  ؟ ثم -  وبالمقابل -  لماذا لم يملأ لنا صفحة؟ وأين حدود الشعوذة قبر أم مزبلة؟

هذا أبو الطيب المتنبي الكبير يقول:

وقبر حرب بمكان قفر                       وليس قرب قبر حرب قبر

فيقول النقاد أثقل الشاعر وعقّد.........

- ربما كنت أنت أحد المسؤولين إلى ما وصلنا إليه. ألم تقل في كتابك النقدي:

 

"إن هذا الشعر الحديث قريب إلى نفسي لما فيه من تمزق وسأم ... ولما فيه من حيرة وقلق، فعصر الذرة لا يدعنا نستقر، والشعور بالاغتراب أو الاستلاب شعور ملازم رغم ما تحاول أن تضفيه الاشتراكية العلمية من نفي لهذا الشعور "  [2]

وتقول في مكان آخر:

" فالسريالية حالة عقلية كما أشار لها إليوار ،  بالإضافة إلى أننا عشنا في جو سحري. والشعر سحر كما يرى رامبو ".  [3]

ها أنت تجني ما غرست يداك!

-         لقد فاتك اشتراطي أن يكون ذلك من ذهنية مبدعه ومثقفة ،  وليس من كل شعر أزغب الحوصلة.       ثم اعذرني أن أنقل للقراء ما قلته في مكان آخر:

 " ربما أكون هذه المرة قاسيًا، ولا أخاطب هذه القصيدة بالذات بقدر ما أعني هذه الدرر التي تطلع علينا بين الفينة والفينة تحت اسم الشعر. بعض شعرائنا يكتبون أكثر مما يقرأون، يفتشون عن المعنى المبهم المبهم ويطلقونه من عقاله وأنت غبي إن لم تفهم. كم يكون جميلاً لو دعونا شعراءنا الغيبيين هؤلاء لنستمع إليهم ،  ولا نطلب التفسير المطلق  ،  بل نريد أن نعرف ،  ومن حقنا أن نعرف- في أي فلك هم يسبحون. الشعراء هداة البشرية.... فلماذا الاستكناف عن مآسيها. أنا لا أنكر أن بعضهم عندما يقول قولاً غامضًا هو في علوه وأكون أنا قاصرًا عن مجاراته. ولكن هل يعني ذلك أن أقبل أقوال المحمومين أو من لم  يصلب عودهم -  على حساب اتهام نفسي بالقصور؟  [4]

- وهل يبقى غض الإهاب غض الإهاب؟

- اشتراطي أن يفقه أوليات أدبه العربي ،  وأن يفهم ماهية الوزن والعروض، وإذا أراد أن يتمثل بالشعر الإفرنجي فعليه أن يفهم أولاً نصًا عاديًا بلغة أجنبية.

- وهل ستُجري له امتحانًا حتى تعطيه الشهادة؟

- ليمتحن نفسه هو ، ولست مسؤولاً عن أحد ،  ولكني محاسب إذا رأيت اعوجاجًا ولم أقومه، فمثل هذا الكلام- بكل تقرير- هذر إحدى عشرة مرة.

- كيف تقول إنه هذر ،  وهو أعمق مما تستوحي؟

- لنقرأ ثانية ..... ولنحاول أن تختار اسمًا غير الهذر أ و  ما يرادفه:

للنهدين النائحة اختمرت رخويات البين

للنهدين اختمر المريغوانا

للصدر النائح يختمر النهدان مقالع حكمة

ترجم هذا للغة العربية؟

- أنت تقسو على شاعر نهج نهج الأدب اللامعقول على غرار أونسكو وبيكيت وييتس وملارميه وحتى أراغون.

- يعلم الله أنني لم أعمده بالذات، ولكني أتناول هنا ظاهرة شعرية هي أشبه بحالة مرضية سرطانية خطره يجب استئصالها. ومبضع الناقد لا يرحم.

- مهلاً! قلت بما معناه إنه غض الفكرة، فكيف تأتّى له أن يسرق إليوت ولوركا   بل أخذ منك تعابير وركبها تركيبة كيماوية جديدة مثل: أمانًا يا بحر، ولا حب بهذا القلب، إني أتشكل (استعملها أتكون) [5]وقس على ذلك ممن نعرف وممن لا نعرف، ونحن بحاجة الى حاسبة الكترونية خاصة تكشف السرقات والنسخ والمسخ والسلخ.

- قد يقع الخاطر على الخاطر كما ( يقع الحافر على الحافر وإنما الشعر جادة) وما أجزته لنفسك فاسمح به لسواك!

- ولكني اشترط الصدق الفني، فإن كنت تريد أن  تقول إن كل ما يقال فهو شعر أقول لك " عندي من دواوين لحسب الله  جعفر والحيدري وكيلاني سند والعزاوي واللعبي وغيرهم....أختلس من هذا كلمة ومن هناك أستملح تعبيرًا، ومن هنا جملة، معنى، معنى........أهندس العبارات، أحشر جملة في قلب جملة، أنظر للشعر العبري إلى فواصله ونقاطه وعلامات تفقيره وترقيمه، أوزعها بصورة مثيره، أجعلها تحت (موتو) ....هكذا -  ولأمثل:

 

أسندت قصور الرغبة للجدران

يمكن أن أقول بدل ذلك :

1-     (أبحرت في قلاع النقمة للشيطان)

2-     (أحرقت رياح الفرقة في الإنسان)

3-     سلمت جبال الدفلى للأفخاد البيضاء) 

أتراك تريدني أن أنظم قصيدة؟   ..... فقد تعجبك!

- لمثل هذه المضبطة نحتاج إلى مثل هذا الختم

(حزيران- 1978)

 

[1] - الأولى: (كاتدرائية للكلمات) وقد قسمت الى عدد حروف العنوان على الترتيب ،  ويسمى هذا الضرب حسب أصول البلاغة القديمة (المطرَّز) وفي الآداب الأجنبية يدعى (أكروستك)

الثانية: (في الخامسة مساء) والإشارة هنا إلى قصيدة لوركا في رثاء مصارع الثيران أجناثيو سانشيت ميخياس. وفيها تكرار العبارة (في الخامسة مساء) الساعة التي قتل فيها صديقه.  انظر القصيدة مترجمة الى العبرية: ليعازر رفائيل- رومانسير النوري ص 39.

 [2]  -   مواسي فاروق: عرض ونقد في الشعر المحلي- مطبعة الشرق -  1976 ،  ص86

 [3]  -     م . ن ، ص 81 .

[4]  -   م . ن ، ص 93

[5]  -  مواسي فاروق: غداة العناق- المطبعة الأهلية، طولكرم-1974 ص 47 ،  وديوان يا وطني- جمعية عمال المطابع- نابلس 1977 ص 35.53

 

 

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام