د. خالص جلبي

هل دنت نهاية البعث السوري؟

05/03/5

الرفاق في دمشق يرتعشون فرقا هذه الأيام فقد دنا الأجل، وشخصت أبصارهم لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. ولكل حزب أجل فإذا جاء أجلهم فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. والبعث التوأم حقيقة انتهى منذ أن أمسك الرفاق بمقود الحكم فتحولوا إلى دولة قمعية كما حدث مع الماركسية والاتحاد السوفيتي، وكيم سونج الأب في كوريا الشمالية حارب الاحتلال الياباني ليتحول بعد ذلك إلى رب يعبد من دون الله، فحكم البلد مثل جنكيزخان 46 سنة حتى نفق عام 1994م، وابنه (كيم يونج) حاليا ورث الملك، وأوعز إلى المثقفين أن يغيروا كلمات القاموس الكوري الذي يقول إن (وراثة الحكم) نظام رجعي فاسد، فخسر القاموس كلمة وكسب الواقع حقيقة. والفرق بين سوريا وكوريا كلمة.

وفي مقابلة الصحفية الألمانية (سوزانه كوليبل) في العدد 8 \2005م مع وزير الدفاع السوري الأسبق (طلاس) قال لها وهو يشرح أبجديات الديكتاتورية ـ على حد تعبير الصحفية ـ: من أراد أن يحكم فعليه إدخال الرعب إلى قلوب الناس. واعترف لها أن يده وقعت على أحكام إعدام بلغت الآلاف، وأنه كان يشنق في الأسبوع الواحد وفي دمشق لوحدها أكثر من 150 معارضا سياسياً. قال هذا أمر لم يكن منه مفر من أجل استتباب الأمن؟ انظري لم يحدث في سوريا انقلاب خلال 34 سنة. والرجل بقي وزير دفاع 32 سنة.

 تابع الرجل اعترافاته أنه والرفاق ملكوا السلطة بقوة السلاح فمن نازعهم إياه نزعوا روحه، وعليه أ ن يستخدم السلاح كما فعلوا للوصول إلى السلطة، قالها مع ضحكة ساخرة وهو يتكئ على مقعد مذهب الأطراف، ـ وهو الاشتراكي المناضل ـ تتدلى من فوق رأسه ثريات الكريستال، في فيلا فخمة في حي فخم،  فرشت أرضها بسجاد عجمي فاخر زرابي مبثوثة، مذكرا بشاه إيران، وخلفه صورتان من لوحات هتلر اشتراها من مزاد علني من لندن بدون أن يفصح عن السعر الذي دفعه، وهو غير خجل بهذه التحف النازية تتصدر مجلسه، فمعاملة الخصوم يجب أن تتم بطريقة هتلرية: البتر.

تعلمين قال للصحفية الألمانية وهو يتكلم بصوت ناعم أننا هكذا بدأنا رحلتنا وكل معارضة يجب خنقها في المهد والعلاج الوحيد لها هو البتر؟

سألته بألم وصديقك من المدرسة (رياض الترك) ما ذنبه أن ينام 17 سنة في زنزانة انفرادية باردة لا يرى فيها النور؟ أجاب: إنه رجل عنيد وكان  يكفيه أن يكتب رسالة اعتذار إلى الرئيس القائد فيطلق سراحه ولكنه ركب رأسه فلم يفعل؟

فهذا هو قانون الديكتاتورية الأول: الرعب دليلا وهادياً، والمخابرات ذراعا وتعذيباً، والشعب دابة مسرجة للركوب. ولكن هذا ضد قانون الوجود أن الله ما خلقه عبثا ولا باطلاً بل بني على الحق وهو يمضي إلى أجل مسمى، والزبد يذهب بجفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض،  وكما قال غاندي إنه قد يعيش الظلم فترة ولكن من يسود في النهاية هو العدل لأن الكون مبني على العدل، والذين كفروا بربهم يعدلون أي يسوون.

وما حدث في لبنان في مارس 2005م هو تشققات الأرض من امتداد الزلزال العراقي فالأرض تمور، والأيام حبالى، والأنظمة الستالينية تلفظ الأنفاس، والعصر ينقلب، وفصل الربيع العربي قادم.

هل يحق لنا أن نتفاءل فتتكحل عيوننا برؤية مظاهرة سلمية مليونية تحتشد في ساحة المرجة في دمشق يطالبون برحيل الحكومة وقطع أذرع التنين الأمني؟  كما حصل مع اللبنانيين في ساحة التحرير في بيروت؟

إن الآمال كبيرة حاليا ولكن المشكلة هي في المعارضة التي قطعت تقطيعا فلم يبق النظام السابق إلا على منافق أو مطعون في النفاق، أما الأحرار فأما ماتوا في السجون، أو فروا على وجوههم إلى أقطار الأرض الأربعة، أو قضوا نحبهم في السجون وما بدلوا تبديلا.

تقول الصحفية الألمانية من مجلة المرآة (در شبيجل) أنه مع معارضة ضعيفة إلى هذا الحد هل ينفع الضغط الخارجي؟

يبدو أن النموذج اللبناني نفع بعدة أسباب منها تجربة الحرب الأهلية أن لا يخوضوا حربا جديدة، وتكرر نماذج أوكرانيا وصربيا وجورجيا، ووجود قيادات سياسية واعية، بجانب جماهير لجأت إلى العصيان المدني بشكل عفوي، فلم يسفك دم إنسان، وهي حريصة أن تتابع طريقها بنفس الطريقة، ولو تدخلت الشرطة اللبنانية فأطلقت الرصاص لجاءتهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل كما حصل في الصدمة والدهشة فوق رأس صدام المصدوم. وهذا خبر جيد للمعارضة السورية أن تجرب دورها، والأيام حبالى، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون؟ 

 

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام