د. فاروق مواسي 

قصيدة وشاعر قصيدة وشاعر الرئيسية >>

القصيدة:   داود حايك: غابة من الألوان

إدمون شحادة

 

القصيدة:   داود حايك: غابة من الألوان

إدمون شحادة

حين تُرى الأفكار

كَوَهج محدد الإطار

وحين تُرسم الأشعار

كغابة من الألوان

تغوص في تشابك الآمال بالأحلام،

فبقعة من عتمة المساء

ومن براءة الصباح..بقعتان

وصخرة تداعب الريح

وثائر يضمد الجراح

وحلوة شرقية الظلال

تطير نحو شهريار

بالأبيض الملفع الضياء

والأخضر الممزوج بالبهاء

داود بالفرشاة جسّم المزمور

وصاغ بالألوان قصة الدهور

بالأحمر المحروق بالبخور

بالأصفر المحفور ما بين السطور

بالأزرق المنقوع بالعطور

بلهفة الطفولة المنفيـه

بنشوة الصبيــه

لفارس مغرور

وكان حلمه الصغير

أن يرسم الأمل،

عصفورة شامخة فوق التلال

وروضة مليئة بالحب..بالزهور

(من ديوان "قمر بوجه مدينتي" مطبعة فراس، الناصرة- 1985 ص100)

 

قراءة في القصيدة

بدءا لا بد من التعريف بداود حايك الذي كتب إدمون قصيدته عنه وعن لوحاته. إنه رسام من الناصرة، كان قد أقام معرضًا في (بيت شاغال) في حيفا، فارتاده الشاعر، فتركت اللوحات في خاطرة أثرًا شعريًا يعبر فيه بهدوء منفعل يوازي أو يجازي هدوء الصورة الرائقة غير الصاخبة في اللوحة الماثلة أمام عينيه، هدوء يحمل عمقًا في كل.

       إنه يقدم الصورة النابضة الحية التي يطالعها. يقدم صورة شعرية، ويستدعي القارئ لاستلهام أجمل ما فيها -  كما تطمح اللوحة أصلا.... فعندما يختلط الرسم بالكلمات والكلمات بالرسم، وعندما نرسم الشعر لوحة ،  أو نجعل اللوحة قصيدة فإننا نقرن الموزا (إحدى الإلهات التسع بنات زيوس) مع أبولو أو أورانيا، وفي هذا العناق المتوهج ومن خلاله يطل علينا شاعرنا بهذه اللوحة- القصيدة.

وقد يصعب علينا هذه المرة أن نلخص القصيدة، ذلك لأنها تصف جوًا، وتنقل طاقة مكبوتة، لكنا سنتقرى عبارات اللوحة من خلال الثائر الذي يضمد الجراح، ومن خلال الطفولة اللاهفة، ومن خلال الأمل المرسوم كعصفورة شامخة فوق التلال... وروضة مليئة بالحب والزهور، ومجملها جميعًا: تشابك الآمال بالأحلام.

ولنعد إلى القصيدة - حيث التشبيهات ذات الشفافية في المعنى، فحين ترى الأفكار كوهج- وهذا الوهج مؤطر-، وحين ترسم الأشعار- كغابة من الألوان- فيها الخضرة والتعددية والغموض والعذوبة والراحة النفسية، ماذا يكون بعد؟

-نغوص في تشابك الآمال بالأحلام.

هل نأتي برسام ليواصل خطوطه مترجمًا ما سيقرأ له إدمون؟ إذا كان الأمر كذلك فبقعة من عتمة المساء (لون أسود) ومن براءة الصباح بقعتان (لون أبيض أكثر) وصخرة تداعب الرياح (صخرة تداعب؟! كيف نرسمها؟)، أغلب الظن أننا لا نطال الصورة ولا تضبطها أو نحصرها.

وثائر يضمد الجراح (لنقف قليلاً، لعله بحاجة إلى مساعدتنا، وإلى أن نكون سندًا له، ونضمد نحن جراحه، انتبه إلى "يضمد"، فهي تعني أنه دفع ثمنـًا حقيقيًا، وأنه جرح بعد فعل وفعالية):

وحلوة شرقية الظلال

تطير نحو شهريار

لماذا شهريار؟

-  أليقتلها كما قتل غيرها، أم لتكون شهرزاد أخرى تقص عليه وتتحايل عليه، ثم تبكي عليه.

لماذا شهريار؟

 ألأنه ملك- عنوان الأبهة، والعظمة- وهذه المرأة تفيض رقة وأنوثة؟

لماذا شهريار؟

 ألأنه أسطورة؟ ألأنها شرقية؟ والظلال هي الأثر، والظلال منتزعة من عالم الرسم حتى تكتسب الصورة إيحاء وأبعادًا. ويمكننا أن نتوقف على كل كلمة، ويمكننا أن نكتشف آفاقًا غريبة تشي بها هذا الشاعرية من غير قصديّة، فتصور هذه الطفولة المنفية اللاهفة، وهذا الصبا المنتشي لفارس مغرور، فهذا ما يرسمه داود في لوحته أملاً وحلمًا:

وكان حلمه الصغير

أن يرسم الأمل

وكيف يرسم الأمل؟ يرسمه عصفورًا وروضة. العصفورة شامخة فوق التلال، والروضة ملأى بحب وزهر و..

والقصيدة غابة من الألوان، وأذكر أن أستاذًا لي اسمه (بيري) كان عندما يرى اللون في القصيدة فكأنه وقع على كنز. اللون الذي كان النقاد يركزون عليه دلالة على تعايش الحس والواقع، ودلالة على استنساخ الوجود بموازٍ روحاني. اللون في حياتنا يكسبها معنى، ومن يظن غير ذلك فليتصور للحظة لو أن كوننا في لون واحد، ليتصور هذه الأحادية أو النمطية أو التكرارية الرتيبة. لنعد إلى الألوان في القصيدة كما تلمست ذلك من اللوحات:

بالأبيض الملفع بالضياء

والأخضر الممزوج بالبهاء

...............

بالأحمر المحروق بالبخور

بالأصفر المحفور ما بين السطور

بالأزرق المنقوع بالعطور

وقد يكون تمازج الألوان بفرشاة الرسام تجسيمًا لواقع، وقد يكون تجسيمًا لمزمور داودي- كما يخيل للشاعر عبر تناص "توراتي-، لكن هذه التشبيهات من معاني اللون تتجاوز مرحلة "يا ورد مين يشتريك".*

ولكن دهاء الشاعر هنا هو في اختيار الألفاظ المسوقة في عالم الألوان، ولنقرأ:

 

في أسود اللون عباس بيارقهم

                        في أبيض اللون من صافي الهوى الرغب

في أخضر اللون آمال بدوحتنا

                              في أحمر اللون دم مشرق اللهب

وقد مضى الشاعر جمال قعوار في توزيع آخر

الأبيض بوح ضمائرنا

                    والأسود قلب أعادينا

والأحمر مهر عروستنا

                   والأخضر روح أمانينا

كما تتجاوز وصف مطران:

والشمس في شفق يسيل نضاره

                       فوق العقيق على ذرى سوداء

- بالأبيض الملفع بالضياء

لماذا (ملفع)؟ أليس لهذه اللفظة علاقة بالغطاء الذي يغطي الإنسان ساعة ولادته، ثم ساعة موته؟!

- بالأحمر المحروق بالبخور

لماذا (محروق)؟ أليس في هذا الإشعال ما نشم به الرائحة حتى ونحن نقرأ؟

- بالأصفر المحفور ما بين السطور

لماذا (المحفور)؟ أليس في دلالة الصفرة الباهتة ما يوحي بالأمل على مستوى منظور؟

- بالأزرق المنقوع بالعطور

لماذا (المنقوع) وليس (المملوء) مثلا؟ أليست الزرقة دلالة حيوية سواء في البحر أو في السماء أو في الصفاء؟ أليست (المنقوع) تدل على حركة كونه مغمورًا أو مطليًا أو مجبولا؟ حركة لمرة واحدة- لفترة واحدة.

ثم، لاحظ معي هذه الصفات الموظفة بفعالية:

بنشوة الصبية

لفارس مغرور

(مغرور) ألا تدل هذه اللفظة أو هذا الوصف على التعالي إزاء صبية متلهفة منتشية، وهي حالة إنسان رغيبة.

وانظر إلى، الوصف (شامخة) في وصف العصفورة، فهي موظفة بهذه الفعالية الحية، فالعصافير لا تشمخ، وإنما هي في حركة طبيعية تلقائية. إنها في مرآة الشاعر شامخة، ربما لأنه يرى في اللوحة شموخًا وعزة، فنقل ذلك إلى طبيعة العصفورة الوادعة الهادئة.

وإذا كنت قد أشرت أولاً إلى معانقة الكلمة للخط فإنني- هذه المرة- أرى تلاحمًا آخر عبر تجانس صوتي  (Assonance) موقع من خلال قواف مقيدة: الأفكار، الأطيار، الألوان، الأحلام، المساء، الرياح، الجراح، الضياء، بالبهاء..الخ.

وفي هذه القوافي نسمع- أو على الأقل أسمع- أصواتًا وأحزانًا ذات إيقاع يجسم المزمور القديم.

وأخيرا:

فإن الصور المشحونة عبر المجاز والاستعارة في اللون ومن خلاله تدعو إلى تأمل واستبطان وصولا إلى القول المكثف:

وصاغ بالألوان قصة الدهور

وإذا كانت الفكرة الكامنة في الرؤية الحسية تتجلى من وراء مكنونات الشعور فإن إدمون المعجب بهذا الإبداع يعبر عن علاقة إنسانيته بشيء من الغموض، ولكنه يقدمها بكثير من البراعة الماتعة في لوحة مرسومة بالكلمات أو في صورة شعرية حافلة بالإيماءات.

 (انظر كتاب: سي دي لويس: الصورة الشعرية، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد-1982، ص21)

* بل تتجاوز كذلك ما قلته في وصف العلم الفلسطيني، وأنا أحاول أن أجعل للون معنى:

 

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام