د. فاروق مواسي 

قصيدة وشاعر قصيدة وشاعر الرئيسية >>

القصيدة:  يدّ تَفَتّحَتْ قرنفلة     أميمة جبارين

 

القصيدة:  يدّ تَفَتّحَتْ قرنفلة     أميمة جبارين

أبحث عن يد:

خطوطها جداول

راحتها واحة خضراء

لم تدسها الأحذية الوحشية

أبحث عن يد:

أناملها قصيدة وَقَمر

دفقها بيلسان وَشَجر

أبحث عن يد:

تمتد من بؤرة نور

من غفوة الشيطان

يدٍ قبلتها حمامة نوح

انفلتت من قبضة التتار

فصارت

حمامة

ونهار

(من مجموعة الشاعرة: امرأة الريح، منشورات الطلائع- 1994، ص59)

 

قراءة في القصيدة

    وأمامنا نصّ آخر  من شعرنا المحلي  في موضوع اليد، ، وسأعمد هنا إلى قراءة مصاحبة للنص في شيء من التفسير وشيء من الإضاءة، وذلك لخلق صلة بين القصيدة وبين القارئ.

شاعرتنا أميمة، أو على الأصح الراوية الشاعرة تبحث عن يد، عن دفء، لذلك فحظ الخيال الشاعري فيها كبير، ذلك لأنها في مستوى معانقة الحلم. خطوطها جداول (لاحظ أن الجداول هنا رمز للري- للحياة بينما أن الجدول الرقراق لدى الشاعر السابق يكفي في ريه أو إروائه).

لو عدنا إلى الوصف "خطوطها جداول" لوجدنا المشترك في الرسم الخارجي أو ما يوازي الوصف الاستعاري. وإذا كانت هناك الجداول التي تبحث عنها فذلك يعني أنها تبحث عن الراحة المنشودة.

عن الواحة الخضراء، ولماذا "واحة"؟

 لأن الصحراء والجدب لهما مكان ومكانة في الفعالية المضادة- على الأقل في عالمها.

تكرر "أبحث عن يد" ثانية لتصف الأنامل التي تنشدها، كأنها قصيدة وقمر. وهي لا تكتفي بمشبه به واحد، لكنها جمعت المشبهين معًا لترى فيها صورة واحدة، وكأنها "قصيدة تقرأ في ضوء القمر".

وأما دفقها (استعملت كلمة ذات طاقة إيحائية) فهو بيلسان وشجر. ترى هل أضافت "وشجر" لتقول لنا" وشجر آخر"؟.

تكرر "أبحث عن يد"  ثالثة، وتبتعد هنا عن التشبيه البليغ، فتنقل لنا صورة متنامية متآزرة، فهذه اليد:

أ. تمتد من بؤرة نور (من مركز الإشعاع)، ولكن بالإضافة لذلك         ب- من غفوة الشيطان- من غيابه- بمعنى البراءة والطهارة، ويؤكد ذلك قولها       ج- يد قبلتها حمامة نوح- بمعنى السلام والسلامة- (انتبه إلى الفعل فهو يدل على بحث جارح عن هذه اليد النقية هذه اليد التي ....

د- انتقلت من قبضة التتار (رمز مطروق للهمجية، ونتناسى فيه أن التتار شعب كسائر الشعوب)- هذه اليد النورانية البريئة الناجية من الإثم صارت بقدرة قادر حمامة... وادعة مسالمة، وصارت على التوالي: قرنفلة... زهرة وشذية ثم نهارًا في وضوحها بهائها، وهنا تتراكم الصور في تلوين وتنويع يثري الصورة، ونحن فيها نخرج عن مألوفية الصياغة، ونعيد تشكيل اللغة بفعل حاجات روحية ونفسية، وذلك من خلال خلق إيحاء وإثارة إثارة، فالإمساك بالمتناقضات دون الانفصال عن فلكها شكل من أشكال الحداثة. (انظر مقال محمد برادة في مجلة فصول، العدد الثالث، 1984، ص14) ، وبالطبع ففي مثل هذه المتابعة الصورية توتر، أو على الأقل هنا نحن بحاجة إلى كشف جديد من خلال إزاحة أولية (للتوسع في ذلك، انظر كتاب أدونيس، زمن الشعر،ص90).

يحمل عنوان أميمة تفتحًا وتطويرًا (لاحظ أن اليد تفتحت عمليًا إلى صور أخرى غير القرنفلة (حمامة...نهار) لكنها اختارت القرنفلة رمزًا معبرًا.

ومن جهة أخرى فإن الشاعرة التي سلسلت قصيدتها اصطدمت أو جعلتنا نصطدم بعبارات  الوصف الزائدة... "لم تدسها الأحذية الوحشية" ، وهي تستطيع أن تقدم لنا صورة شعرية فنية أرقى، وأرى أن تضع ذلك بين قوسين وكأنه تعليق نثري.

والقصيدة فيها وحدة موضوعية، حيث  كانت "أبحث عن يد" لازمة لتراوح هذه الصور، وقد تبدو وأنها متفرقة، لكنها منتزعة من جو البحث عن الرفيق.

قلت آنفًا : كثيرًا ما أعمد في تحليلي للقصائد إلى الإشارات الثقافية أو المرجعية التي نهل منها الشاعر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عامدًا أم غير عامد، وأنا أرمي من وراء ذلك إظهار هذا الحوار الداخلي أو التماثلي أو حتى موازرة النصوص في تصادمها أو تخاطبها.

فقد رأيت أميمة مصاحبة لكلمات الشاعر اليوناني ريتسوس، ولعلها لم تكن قد اطلعت على ذلك:

وجهك يا حمامتي وديع

كتبت عنه

فأضحى أنهارًا

يصاحبها قمر

في صفحاتي الحزينة.

                                                    (مجلة الدوحة: سبتمبر 1976)

فالحبيبة لدى الشاعر طائر الحمام، بينما اليد لدى الشاعرة هي التي تتفتح حمامة، والوجه لدى الشاعر يصبح أنهارًا ، بينما  اليد لدى الشاعرة هي التي تنقلب نهارًا. ومصاحبة القمر للقصيدة لدى الشاعرة هي الأنهار، ويصاحبها القمر لدى الشاعرة، والجو الحزين هو مشترك لدى كل منهما، رغم أن الشاعرة تبحث عن حبيب، والشاعر اليوناني يتحسر على ماضٍ كان.        

 

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام