د. فاروق مواسي 

لغة الشعر عند بدر شاكر السياب

وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة 

القائمة الرئيسية >>

قائمة الفصل الأول>>

ب- مدخل إلى استفادة السياب من شعر السابقين :

لا شك أن كل شاعر في مطلع كتابته يترسم خُـطا سابقيه، والسياب- الذي أشار إليه النقاد بأنه تأثر بأبي تمام والمتنبي وغيرهما- (139) أكثر من استعمال القاموس الشعري القديم، وأعلى صوت الموروث الشعري وأدخله في عشرات الأبنية، فكان من أكثر الشعراء المحدثين اقترابًا من روح الشعر القديم، وكان من أبرز من حوّم حوله رصانته وجزالته (140) ، وهو بهذا أحيا الكثير من الكلمات القديمة، إذ أن استعماله – مثلاً -  صدر بيت قديم:

"ناحت مطوقة بباب الطاق" (ص717)- على سبيل المثال- فإنه يحيي كلمة "مطوقة"، بالإضافة إلى أنه يعمق المعنى، ونحن نحس ألم الشاعر -العراقي- من خلال هذا التضمين ، ومن خلال تذكرنا  البيت القديم:

"ناحت مطوقة بباب الطاق

فجرت سوابق دمعي المهراق"

والشاعر الحديث عندما يضمن شعره فإنه:

- يثري التجربة ويعمق المعنى.

- يحيي بعض الكلمات القديمة.

- يؤكد أهمية التراث اللغوي، وهذا من شأنه – بالتالي -  أن يحفز القارئ على تقبل التراكيب الجديدة (141).

ويلاحظ الدارس أن الشاعر  ساق الشاعر الكثير من هذه الآيات في سياق تشاؤمه وألمه.

وقد حاولنا تصنيف نوعية هذا التأثر، وسجلنا الظاهرة الفريدة كدلالة على الاستفادة، ففي الأسلوب  لا نستطيع الحصر مهما أوتينا، وفي التراكيب سجلنا ما تكرر عند الشاعر من غير أن نبحث كيفية وقوع التركيب هنا وهناك إلا ما يقتضي ذلك، فمن التركيب ما بقي على حالة الأول، ومنه ما تغيرت دلالته .

 وقد استعمل السياب التضمين ، وأخذ يرصع به شعره ،  وتناول بعض العبارات الشعرية وطورها توسعًا في المعنى أو اعتراضًا له، وفي الحالتين فإن التأثر واقع، فيه تذكير وإثارة، وفيه قدرة الشاعر على نقل التراث بصورة جديدة.

 

تأثير الشعر القديم على السياب :

1- في بناء الجملة.

2- في تراكيب رددها الشاعر وهي لشعراء سابقين.

3- في تضمين أبيات من الشعر القديم في سياق جديد.

4- في تطوير تعابير الشعر القديم بشكل مغاير للأصل.

1- التأثر بصياغة الجملة الشعرية القديمة:

لا نستطيع أن نزعم أن باستطاعتنا حصر كل الأساليب التي تأثر بها الشاعر، فربما يكون بعض هذه الأساليب من القرآن أو الحديث، ولكن سبيلنا أن نقف عند بعض الأساليب البارزة في الشعر:

أ- أسلوب  التفريع[1]  أو ما أصطلح عليه أسلوب : "ما...بـ ": وهو الابتداء بما التي تعني ليس، والتي يتأخر خبرها وهو مسبوق بالباء- حرف الجر الزائد-، فالأعشى مثلاً يقول:

"ما روضة من رياض الحزن معشبة        خضراء جاد عليها مسبل هطل

يومًا بأطيب منها نشر رائحة           ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل" (142).

وها هو السياب يستعمل هذا الأسلوب المتوافر في الشعر القديم فيقول:

"فما مذهب من شعور الحسان

تراخى على كتف واستراح

بمشبه منديلها فتنة

وسحرًا إذا جاذبته الرياح" (143).

ب- أسلوب الاستفهام في اصطلاح البلاغين "تجاهل  العارف": والمقصود منه تهويل الموقف، ومن ذلك ما تقول الخنساء :  "قذى بعينك أم بالعين عوّار" (144) .

ويقول السياب: "أنار البرق في عينيه أم شعار المعبد" (145).

ج- استعمال "ما الزائدة" بعد إذا: يقول النابغة: " إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم" (146).

والسياب يكثر من مثلها كقوله:

" إذا ما راح يطوي إليهم نحو الشاطئ الخصب

إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالندى العذب" (147).

د- استعمال المدح بما يشبه الذم: يقول السياب:-

"فتى ما جنى ذنبًا سوى أنه انتضى      حسامًا بوجه الظلم ما لان جانبه" (148).

وصيغة هذا القول تذكرنا ببيت النابغة:

"ولا عيب فيهم غير أن سيوفيهم          بهن فلول من قراع الكتائب" (149) .

ه- استعمال أنماط صياغة قديمة:

 ففي قول المتنبي:     "لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي" (150)، نجد أن قول السياب:

"لغيرك لم يخفق فؤادي ولا هفا" (151) ، مشابهًا له ،  إذ أن البيتين يبدأان بحرف جر ،  فاسم مضاف إلى الضمير،  فحرف نفي ،  ففعل ،  فحرف عطف ،  فحرف نفي ،  ففعل.

ونظرة إلى مطولة "بور سعيد" (152) في قصائدها العمودية الثلاث، فإننا نستوحي الأجواء الشعرية لجرير وأبى تمام والمتنبي في كل قصيدة على التوالي، ولنضرب مثلاً:

يقول السياب: "إيماضة البرق إلا أنها حقب" (153).

ويقول المتنبي: "هذا عتابك إلا أنه مقة" (154)، وغيره كثير.

ولو أنعمنا النظر في أبيات السياب التي دللنا على تأثرها لألفينا أكثرها من مجموعة "البواكير" ،  غير أن هذا لا يعني أن السياب لم تتأثر صياغته في سائر الدواوين، ففي "أنشودة المطر" مثلاً يقول:

"عصافير أم صبية تمرح

أم الماء من صخرة تنضح" (155) .وفي تكرار "أم" نتذكر قول الخنساء:

"قذى بعينيك   أم بالعين  عوار     

                                أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار" (156) .

2- تراكيب من الشعر القديم رددها السياب:

وإفادة السياب من الشعراء السابقين تبرز كذلك في تضمين بعض التراكيب كما هي، فالدعاء بالسقي مثلاً كان يلائم طبيعة الصحراء، وقد أكثر منه الشعراء ، فهذا قيس بن ذريح يقول:

"سقى دار لبنى حيث حلت وخيمت     من الأرض منهل الغمام رعود" (157) .

ويقول ابن زيدون مستعملاً نفس الدعاء- برغم اختلاف البيئة عليه:-

"ليسق عهدكم عهد السرور" (158) .

وكما كان الشاعر القديم يدعو بالسقي على الأطلال ،  فها هو شاعرنا يستوحي السقي على منزل الأقنان:

"ألا يا منزل الأقنان  سقتك الحيا سحب" (159) .

ودعاء السقي في الشعر القديم يأتي كذلك بصورة سلبية كقول المتنبي مستعملاً لا الدعائية:

"فلا سقاها من الوسمي باكره" (160) .

وهذا التركيب نجده- قريبًا من الأصل- عند السياب في قوله: "فلا سقيا" (161) .

فالتراكيب القديمة التي استخدمها السياب كثيرة ، وها نحن نذكر ما استطعنا حصره ابتداء من الشعر الجاهلي:

فـ " رعي النجوم "  تعبير وارد في شعر النابغة: "وليس الذي يرعى النجوم بآئب" (162) ومعنى رعي النجوم مراقبتها ،  وها هو السياب يقول كذلك : "وأرعى نجوم الظلام العميق" (163) .

ويقول الشاعر القديم:

"نذر علي لئن راحوا وإن رجعوا

لأزرعن طريق الطف ريحانا" (164) .

فيأتي السياب ويقول:

"نذر علي لئن تشب

لأزرعن من الورود" (165)

كما أن ترديد السياب لـ (حُييت من...) في قصيدة "بور سعيد" (166) تذكرنا بعنترة في ابتدائه:

"حييت من طلل تقادم عهده" (167) .

وطول الثواء تعبير عند الأقدمين، وفيه يقول عنترة:

"طال الثواء على رسوم المنزل" (168) .

ويقول الحارث بن حلزة:

"رب ثاو يمل منه الثواء" (169)، فيأتي السياب ويمزج بين المعنيين:

"حتى ضجرت واسأمه طول الثواء وآده التعب" (170).

 ومن الطبيعي أن السياب كان يستطيع استعمال "المقام" بدلاً من "الثواء" مع محافظته على الوزن - لكن الشعر الجاهلي بقي تأثيره طاغيًا.

"والبنان الرخص" وارد في الشعر القديم، يقول النابغة:

"بمخضّب رخص كأن بنانه       عنم يكاد من اللطافة يعقد" (171) .

ويقول عمر ابن ربيعة:

"ومخضب رخص البنان كأنه عنم" (172).

وإذا ترددت كلمة "عنم" عند الشاعرين فإن السياب أغفلها لتوغلها في البعد عن الطبيعة الحضرية، فهو يقول "جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه" (173).

ومن قول السياب:

"ماء اسق يا ماء والغيث الرهيب كلى

مفرية سحت الآجال والكربا" (174).

نرى أن "الكلى المفرية" تعبير وارد عند ذي الرُّمة:

"ما بال عينيك منها الماء ينسكب     كأنه من كلى مفرية سرب" (175).

ومن الشعر العباسي استعار السياب الكثير من مثل هذه التركيبات كما هي:

يقول أبو تمام في بائيته المشهورة: