|
من وراء مصرع الحريري؟ |
|
إن كانت سوريا هي من قتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، مهندس نهضة لبنان وإعادة بنائه في أعقاب الحرب الأهلية التي دمرته خلال السنوات 1975-1990 فإن خطوة كهذه لابد من أن يحكم عليها بأنها طائشة وانتحارية في آن. ذلك أن سوريا تقع سلفاً تحت وطأة ضغوط دولية كبيرة من قبل كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإسرائيل، كلاً لأسبابه ومبرراته ومواقفه الخاصة. لذلك فإن تلويث يد سوريا بدم الحريري، يعني القضاء على سمعتها مرة واحدة وإلى الأبد، علاوة على تزويد أعدائها بالسلاح الذي يوجهون به طلقة الرحمة القاضية على صدرها. وغني عن القول إن طلقة كهذه من شأنها أن تزعزع أركان النظام، بل وربما تؤدي إلى إطاحته. لذا فإن من رأيي الشخصي، أنه ليس ثمة احتمال لأن تكون لسوريا يد في هذا الاغتيال. فهي لها سلفاً ما يكفيه من الضغوط والأزمات. وتأسيساً على ذلك، فإن من الأرجح أن يكون من وقف وراء هذه العملية أحد أو بعض أعدائها الألداء الكثر من حولها، الذين يريدون تطويقها وتدميرها بشتى السبل. على أن ذلك لا يعني مطلقاً إنكار أن سوريا قد ارتكبت أخطاءً كثيرة وفادحة في لبنان. فقد دست استخباراتها العسكرية أنفها طويلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، على نحو فيه كثير من الغطرسة والغلظة والسفور الوحشي.فمن بين أخطائها الفادحة، الدالة على هذا المنحى، إصرارها على تعديل الدستور اللبناني، إلحاحاً منها على تمديد فترة رئاسة إميل لحود لثلاث سنوات أخرى! ونقل عن الجنرال رستم غزالة، رئيس الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان، تهديده وإساءته للحريري، بهدف إرغامه وكسر أنفه على قبول تمديد رئاسة إميل لحود. وقد نجم عن ذلك التهديد، شعور بالغضب والاستياء العام بين كافة الأوساط اللبنانية. وكرد فعل له، استقال رفيق الحريري من منصبه احتجاجاً على ذلك التهديد، منهياً بذلك رئاسته لمجلس وزراء بلاده.ويبدو أن سوريا أدركت خطأها الآن. فقد استدعى رئيسها بشار الأسد، حسن خليل رئيس الاستخبارات العسكرية السورية، واستبدله بصهره الجنرال آصف شوكت. ويتوقع أن تتبع هذه الخطوة بعملية تطهير واسعة في جهاز المخابرات السورية هناك. وضمن ذلك ربما يتم استدعاء الجنرال رستم غزالة أيضاً. ولكن لا يزال علينا أن ننتظر كي نرى ما إذا كانت كل هذه الإجراءات، ستصب الماء على نار الغضب اللبناني المضطرمة في أوساط المعادين لسوريا، خاصة بعد إعلان هؤلاء ودعوتهم إلى تنظيم "انتفاضة ديمقراطية سلمية" من أجل استقلال بلادهم. بعبارة أخرى، فإن هذه دعوة غاضبة وصريحة إلى تنظيم "حملة سلمية" تستهدف طرد سوريا من لبنان.إلى هنا نطرح السؤال الملح: إلى أي مدى كان يمثل الحريري خطراً على المصالح السورية في لبنان؟ المعلوم أن الحريري لم يكن عدواً لدوداً لسوريا طوال حياته السياسية. فقد عمل على مدى عشر سنوات، من جملة الاثني عشر عاماً التي تولى خلالها رئاسة وزراء بلاده، تحت تأثير النفوذ السوري. وقبل أيام فحسب من مصرعه في الرابع عشر من الشهر الجاري، كان قد التقى بنائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم. وفيما نقل عن أنباء ذلك اللقاء، أنه ناقش ترتيبات زيارة قريبة مرتقبة لرفيق الحريري، إلى العاصمة السورية دشق، كانت متوقعة لولا أن حال دونها حادث الاغتيال الذي تعرض له.
وعلى رغم ما يتردد ف
بعض
الأوساط عن انضمام
الحريري
للمعارضة
اللبنانية، إلا أن
الحقيقة هي أن
الحريري لم يحدث له
مطلقاً أن انضم
رسمياً إلى
صفوف المعارضة، بقدر
ما كان ينوي
القيام بدور وساطة
بين سوريا
والمعارضة
اللبنانية.لكل هذه
المعطيات، إن لم تكن
سوريا هي من
قتل الحريري... فمن
قتله
إذن؟
ليس ثمة شح أو نقص
في قائمة
المرشحين لمثل هذا
الدور. فهناك
اليمين
المسيحي المتطرف،
الذي يبدي قلقاًَ
وتحفزاً
رفع ترمومتر الغضب
الشعبي العام،
المفضي إلى طرد
سوريا من لبنان في
أقرب وقت ممكن.
وهناك المتطرفون
الإسلاميون، الذين
لم يصفحوا
لسوريا بعد،
اضطهادها وتنكيلها
بالإخوان المسلمين
في عقد
الثمانينيات.
وبالطبع هناك
إسرائيل
أيضاً. فقد كان
الطموح المستمر لتل
أبيب،
إضعاف سوريا وتقطيع
أوصال تحالفها مع
إيران، وصولاً
إلى تدمير حزب الله.
ثم إن
لإسرائيل خبرة واسعة
ومجربة في
تنفيذ عمليات "الاغتيالات
المستهدفة"، ليس
داخل
حدود
الأراضي الفلسطينية
فحسب، إنما على
امتداد منطقة الشرق
الأوسط بأسرها.
وعلى امتداد السنين،
أرسلت إسرائيل
فرق اغتيالاتها،
لتصفية خصومها
ومعارضيها في
كل من بيروت
وتونس وعمان ومالطا
ودمشق.
ولإسرائيل معرفة
دقيقة بملابسات
وتعقيدات المشهد
السياسي اللبناني،
مما يسهل عليها
ترتيب عملية اغتيال
الحريري،
نكاية بسوريا وحرصاً
على
تدميرها.والمعلوم أن
أطراف هذا
المثلث السوري
الإيراني
وحزب
الله، قد تكاتفت
معاً –كلاً
بوسائله وطرائقه- في
الوقوف أمام
مطامع الهيمنة
الأميركية
الإسرائيلية على
المنطقة. فمن
جانبها لا تزال
سوريا تطالب
باستعادة هضبة
الجولان التي استولت
عليها إسرائيل في
حرب 1967. ولذلك
فإن دمشق
لن تسمح لبيروت
بعقد صفقة سلام
مستقلة مع إسرائيل،
ما لم تضمن عودة
هضبة
الجولان إلى
سيادتها. أما حزب
الله،
فربما كان القوة
العربية الوحيدة
التي
تمكنت من إلحاق
هزيمة
ماحقة بإسرائيل. فقد
أفلحت حرب
العصابات التي قادها
ضد تل
أبيب، في إرغامها
على سحب قواتها
من الجنوب اللبناني،
إثر 22 عاماً
من احتلالها
للجنوب.
من
إن
حزب الله لا يزال
يمثل مصدر ضيق
مستمر لتل أبيب،
بسبب حصوله على
أسلحة الردع
العسكري. وكيف
لإسرائيل أن توجه أي
ضربة اليوم
إلى لبنان، دون أن
تتوقع
تلقي ضربة موجعة
مضادة لها، من ص
اريخ حزب الله؟أما
البرنامج النووي
الإيراني، فهو يقض
مضاجع إسرائيل
ويقلق عليها طمأنينة
احتكارها
وحدها للسلاح
النووي في
المنطقة. ولهذا
السبب وحرصاً منها
على هذه الطمأنينة،
فإن إيران تكاد
تكون في مقدمة رمح
الضغوط الممارسة
على طهران، بغية وقف
تخصيبها
لليورانيوم. باتريك سيل اخصائي بريطاني بشؤون الشرق الاوسط |