|
لا شك أن الشرك
الذي نصبوه
لمحرر أدبي لم
يكن نسيج وحده ،
ولن يكون الأخير
مع احتمالات
انطلائه وعدمه .
ومثل هذه
الأحابيل لا
يمكن أن تكون
ذرائع للحد من
الكلمة الشعرية
الحديثة .
ومن
عفوياتي أنني
كتبت لصديق
أناقشه في شعر
الماغوط ، خلطت
فيها كلامًا لي
وشعرًا للماغوط
، وطلبت منه أن
يمايز بينهما .
ثم إن
الكاتب المصري (
أحمد رجب ) كتب
" فضيحة الهواء
الأسود " وادعى
لبعض النقاد
أنها ترجمة
لمسرحية
دورينيمات
السويدي ، فأطرى
عليها النقاد
وأثنوا ما وسعوا
الثناء ، مما
دفع العقاد رحمة
الله أن يستغل
هذه الحادثة
ليدعم موقفه
الأدبي ويمتشق
سيفًا من خشب ،
ناسيًا ما كان
من أمره في أمس
الدابر عندما
ضحك على ذقنه
أحد المتأدبين
سائلا إياه أن
يفسر بيتين من
الشعر لابن
الرومي استعصى
عليه فهمهما ،
فأخذ العقاد
يصول ويجول
يستجلب علم
النفس التحليلي
ويستقطب علم
الاجتماع ليصهره
في تأويل بيتين
ليسا في ديوان
ابن الرومي
إطلاقًا، وإنما
هما من أولاد
أفكار هذا
العابث .
فمن يظن أن
الشعر الحديث
والتطفل على
مائدته أمر يسير
فلا بد من
إفلاسـه يومًا
ما ، ولا نستغرب
إذا لم نقدر على
التمييز بين
الضيف والضيفَن
- كما حدث
للمحرر الأدبي ،
فالضيفن لا بد
من افتضاح أمره
مهما أوتي من
سعة الحيلة
...ومهما حشر
نفسه في المأدبة
، ودكاكين الشعر
مفتوحة ، فمن
يستهو دكانـًا
فليشتر بضاعته
المزجاة منه ،
وإن بان زيفها
ذات مرة لا بد
من كسادها .
والشعر ما
كان في زمن ابن
حجر إلا لغة
الخاصة ، وما
كان المتنبي
مالئ الدنيا
بأسرها وشاغل كل
الناس كما ادعى
ابن رشيق ، وأبو
العلاء كانت
اللزومية عنده
كالنظرية
النسبية لدى
غيره .
إننا نريد من
القصيدة أن تفتح
لنا أبوابـًا من
الخيال والتفكير
والإحساسات ،
وهذا لا يتأتى
إلا بعد تقمص
شخصية الشاعر
ومحاولة نقل
تجربته قدر
الإمكان .....
ففي هذه
المشاركة
الوجدانية
المدعومة بقوة
الخيال ركيزة
للشعر القادر
على التغيير .
وجدير بنا
أن نوقظ في
القصيدة
الشفافية ،
ونفجر الموسيقى
" الهارمونية "
ذات التوزيع
الحديث المبني
على الانسجام لا
على الرتابة ،
فتفاعلنا اليوم
مع معطيات هذا
العصر القلق
والحدس الشامل
يفترضان فينا
تخريجًا للأزمات
النفسية التي
نعانيها ، لهذا
كان على الصور
التعبيرية ضرورة
مؤكدة لدفع
اللون المأساوي
، وللاستشراف
على جو التشكك
المطلق في جدوى
حياتنا ونفعيتها
، في نطاق
الموسيقية التي
أشرنا إليها ،
والتي هي أشبه
بماسة في رمل
أيامنا وترابها
.
الشعر قالب
جميل يصاغ
بالإشعاعات
الغامرة ،
وربما تكون غير
مرئية ، تشحن
بالنشوة النفسية
فتبعث فينا
الإيحاء محمولة
على أكتاف
الرعشة .
أما روافد
الشعر فهي
التجربة
والموسيقى
والفكرة تتوحد
معـًا ،
وتتواجد في نهر
يعطي الخصب
لأرضيتنا
الشعرية من ماء
الحياة المستمد
من خلفية التراث
.
فجدير بمن
يقرأ الشعر أن
يقرأه مثنى
وثلاث ورباع ،
فإن لم يعِـه
بوجدانه الصافي
وبفكره المتوثب
فليطلِّقْـه
وليجنـح إلى
النثر ....ففيه
الغَـناء إن شاء
.
أما أولئك
الذين يفترضون
علينا أن نقف
حيث الشعر
الخطابي
التقريري
المباشر فحسب ،
فقد تناسوا أن
عصرنا عصر تجديد
، وأزياءنا
ليست العباءة
والكوفية ،
وطعامنا ومنهجنا
وطريقة تعاملنا
كلها أصبحت
بطريقة جديدة
وبأداء جديد .
فالشعر
يتجدد
كالحياة....
خليق به أن ينفض
عن كاهله أثقال
القافية التي
ناء تحت ثقلها
ردَحـًا من
الزمن . وقد مر
الشاعر بين مد
وجزر ، فتارة
كان متخذًا
المواقف
الخطابية في
القبيلة ،
وطورًا هو
المعتوه الذي
تستنكف حياته
الأمراء _ طريد
من ذؤبان
العرب.... أو
متمسح على أعتاب
الملوك .
والمتنبي
شاعر عصره _ ولا
ضير إن رددنا له
أبياتـًا ندعم
بها محفوظنا
اللغوي _ ، فهو
لا يُضاهى من
حيث الرصد
القاموسي
....ولكن العيب
أن نبقى نردد "
واحرَّ قلباه...
" و " ليالي بعض
الظاعنين شكول "
ونجترها كاللبان
. فكم نفر أبو
الطيب من فئة
المتشاعرين
الذين غزوا
بذمــه ، فصبوا
عليه جامات
النقد سوط حقد .
وقد سألني
أحدهم : كيف
توفق بين إعجابك
النابع عن حب
للمتنبي ،
وميلك لهذا
الشعر الحديث
المستغلق
المبهم ؟
ولا أملك إلا
جوابـًا واحدًا
: إن هذا الشعر
الحديث قريب
أيضًا إلى نفسي
... لما فيه من
تمزق وسأم ،
ولما فيه من
حيرة وقلق ،
فعصر الذرة لا
يدعنا نستقر ،
والشعور
بالاغتراب أو
الاستلاب شعور
ملازم رغم ما
تحاول أن تضفيه
بعض الفلسفات
من نفي لهذا
الشعور وغرس
للتفاؤل
بالإنسانية
الماجدة .
فـإن قال
أدونيس :
" حلم
:
بكت
المئذنة
لان
الغريب بنى
فوقها مدخنة "
علينا ألا
نأخذ الحلول على
أنها يسيرة إلى
درجة السذاجة ،
فكتابة الحلم في
الواقع أمر يدعو
للتفكير أكثر من
استبدال المئذنة
بالمدخنة وكل ما
هو تحت طائلة
التغيير .
لست من
جماعة " شعر "
بل لا أقدر أن
أكون طوعًا أو
كرهًا ، ولكني
أثق في اطلاعهم
واضطلاعهم
باللغة في
الكتابة
والإيماءة
العذبة
....وخاصة هذا
النثر الشفيف
الرائق والعميق
الذي تتسم به
كتابتهم . هذا
النفر الذي
يعرفنا على
أعلام الأدب
العربي جدير بنا
على الأقل أن
نصيخ إليهم
السمع . ومن حق
الشاعر
الفلسطيني جبرا
إبراهيم جبرا أن
يقول:
" لا أذكر إلا
المبهمات
طي نازع
يحفز
فالوضوح
للمنطق الزائل
مع اللحظة
الشاردة
وتبقى
المبهمات شوارد
تتردد
كالجان نصف
هناك مع شوق
كالظمأ
في أيام
الشمس المحرقة "
فلو تعرفنا
على جبرا وما
كتب لأكبرناه في
نفوسنا ، وما
ظننا أن شعره
عبث... وكذلك
الحال فيما
يكتبه فؤاد رفقة
وعصام محفوظ
وأنسي الحاج
وشوقي أبي شقرا
ويوسف الخال _
هؤلاء الرفقة
الذين لا يضعون
الشعر في كلمات
، وإنما يسجلون
بعض لحظاته خارج
الحبر .. في
الجمود والحركة
والانفعالات ،
فهم يقولون إن
الشعر المعاصر
يغلب عليه
التوالد اللفظي
يختنق في الذهن
وينحط في
استمناء التجارب
الشكلية الصرف ،
يموت بردًا في
العراء ، وهو
تخطٍّ وتفتح
وحرية وخلاص .
وأجمل جواب
لسؤال : " ما هو
الشعر " ؟ هو
قولهم لا
نعرف...أو لا
نستطيع أن نعرف
، فالطبعة تتفجر
فينا ، ولا وقت
لدينا لنجفف
الشعر تحت شمس
الثقافة المجردة
.... هم يطمحون
أن يوحدوا
الغناء بالتأمل
، الجنون
بالعقل ، أن
يصفوا الكون
الغائب بنصفه
الحاضر ، وهم
أطفال أصابعهم
عذراء وعيونهم
تأتي للمرة
الأولى * ولست
أقول إن هذا
الشعر يجب أن
يكون سمة فارقة
في أدبنا الحديث
، ولكني أقول :
لنفسح له مجالاً
ولنستمع إلى
القول فنتبع
أحسنه ، أن
نتدارسه بعمق
وليس بمقياس أكل
عليه الدهر وعفا
.
فالناقد الذي
ينطلق من قاعدة
:
" عفت الديار
محلها فمقامها
بمنى تأبد غولها
فرجامها " *
لا شك أنه
يفيد من اللغة
وجغرافية أرض
العرب ويدعم
معرفته بالتراث
، لكنه يبقى
قميئًا تحت شمس
الجمال الشعري
المحض ،
وضئيلاً في
عالم الخيال
الخلاق .
أما موضوع
الالتزام
الملتزم بحرية
الأديب الذاتية
فموضوع له
اعتباره في كل
تقييم ، فما
أحرانا أن نحاول
تفهم البناء
الموحد لشعر
خليل حاوي
والعمق عند
أدونيس _ الذي
قدم لنا
ديوان الشعر
العربي "
متحفًا " على
ضوء الإبداع
الذوقي ... قبل
أن يكون
مستودعًا للغة
أو لتسجيل
الأمجاد _ .
وكذلك أن نقف
بأكثر من إطلالة
على الشاعر
الناقد صلاح عبد
الصبور في
صوفيته وحزنه .
المهم أن
نقرأ ....ونقرأ
بصدر رحب ، لا
أن نجعل صدرنا
ضيقًا حرجًا .
________________
* نظر مقدمة
مجلة شعر
العددان 33 – 34
* مطلع معلقة
لبيد – انظر
المعلقات السبع
للزوزني ص 125
|