د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

الشعر والعَبث  

     لا شك أن الشرك الذي نصبوه لمحرر أدبي لم يكن نسيج وحده ، ولن يكون الأخير مع احتمالات انطلائه وعدمه . ومثل هذه الأحابيل لا يمكن أن تكون ذرائع للحد من الكلمة الشعرية الحديثة .

     ومن عفوياتي أنني كتبت لصديق أناقشه في شعر الماغوط ، خلطت فيها كلامًا لي وشعرًا للماغوط ، وطلبت منه أن يمايز بينهما .

     ثم إن الكاتب المصري ( أحمد رجب ) كتب " فضيحة الهواء الأسود " وادعى لبعض النقاد أنها ترجمة لمسرحية دورينيمات السويدي ، فأطرى عليها النقاد وأثنوا ما وسعوا الثناء ، مما دفع العقاد رحمة الله أن يستغل هذه الحادثة ليدعم موقفه الأدبي ويمتشق سيفًا من خشب ، ناسيًا ما كان من أمره في أمس الدابر عندما ضحك على ذقنه أحد المتأدبين سائلا إياه أن يفسر بيتين من الشعر لابن الرومي استعصى عليه فهمهما ، فأخذ العقاد يصول ويجول يستجلب علم النفس التحليلي ويستقطب علم الاجتماع ليصهره في تأويل بيتين ليسا في ديوان ابن الرومي إطلاقًا،  وإنما هما من أولاد أفكار هذا العابث . 

     فمن يظن أن الشعر الحديث والتطفل على مائدته أمر يسير فلا بد من إفلاسـه يومًا ما ، ولا نستغرب إذا لم نقدر على التمييز بين الضيف والضيفَن - كما حدث للمحرر الأدبي ، فالضيفن لا بد من افتضاح أمره مهما أوتي من سعة الحيلة ...ومهما حشر نفسه في المأدبة ، ودكاكين الشعر مفتوحة ، فمن يستهو دكانـًا فليشتر بضاعته المزجاة منه ،  وإن بان زيفها ذات مرة لا بد من كسادها .

     والشعر ما كان في زمن ابن حجر إلا لغة الخاصة ، وما كان المتنبي مالئ الدنيا بأسرها وشاغل كل الناس كما ادعى ابن رشيق ، وأبو العلاء كانت اللزومية عنده كالنظرية النسبية لدى غيره  .

  إننا نريد من القصيدة أن تفتح لنا أبوابـًا من الخيال والتفكير والإحساسات ،  وهذا لا يتأتى إلا بعد تقمص شخصية الشاعر ومحاولة نقل تجربته قدر الإمكان ..... ففي هذه المشاركة الوجدانية المدعومة بقوة الخيال ركيزة للشعر القادر على التغيير .

     وجدير بنا أن نوقظ في القصيدة الشفافية ، ونفجر الموسيقى " الهارمونية " ذات التوزيع الحديث المبني على الانسجام لا على الرتابة ، فتفاعلنا اليوم مع معطيات هذا العصر القلق والحدس الشامل يفترضان فينا تخريجًا للأزمات النفسية التي نعانيها ، لهذا كان على الصور التعبيرية ضرورة مؤكدة لدفع اللون المأساوي ، وللاستشراف على جو التشكك المطلق في جدوى حياتنا ونفعيتها ، في نطاق الموسيقية التي أشرنا إليها ،  والتي هي أشبه بماسة في رمل أيامنا وترابها .

     الشعر قالب جميل يصاغ بالإشعاعات الغامرة ،  وربما تكون غير مرئية ، تشحن بالنشوة النفسية فتبعث فينا الإيحاء محمولة على أكتاف الرعشة .

     أما روافد الشعر فهي التجربة والموسيقى والفكرة تتوحد معـًا ،  وتتواجد في نهر يعطي الخصب لأرضيتنا الشعرية من ماء الحياة المستمد من خلفية التراث .

     فجدير بمن يقرأ الشعر أن يقرأه مثنى وثلاث ورباع ،  فإن لم يعِـه بوجدانه الصافي وبفكره المتوثب فليطلِّقْـه وليجنـح إلى النثر ....ففيه الغَـناء إن شاء .

     أما أولئك الذين يفترضون علينا أن نقف حيث الشعر الخطابي التقريري المباشر فحسب ، فقد تناسوا أن عصرنا عصر تجديد ،  وأزياءنا ليست العباءة والكوفية ، وطعامنا ومنهجنا وطريقة تعاملنا كلها أصبحت بطريقة جديدة وبأداء جديد .

 

     فالشعر يتجدد كالحياة.... خليق به أن ينفض عن كاهله أثقال القافية التي ناء تحت ثقلها ردَحـًا من الزمن . وقد مر الشاعر بين مد وجزر ،  فتارة كان متخذًا المواقف الخطابية في القبيلة ، وطورًا هو المعتوه الذي تستنكف حياته الأمراء _ طريد من ذؤبان العرب.... أو متمسح على أعتاب الملوك .

     والمتنبي شاعر عصره _ ولا ضير إن رددنا له أبياتـًا ندعم بها محفوظنا اللغوي _ ، فهو لا يُضاهى من حيث الرصد القاموسي ....ولكن العيب أن نبقى نردد " واحرَّ قلباه... " و " ليالي بعض الظاعنين شكول " ونجترها كاللبان . فكم نفر أبو الطيب من فئة المتشاعرين الذين غزوا بذمــه ،  فصبوا عليه جامات النقد سوط حقد .

 

     وقد سألني أحدهم : كيف توفق بين إعجابك النابع عن حب للمتنبي ،  وميلك لهذا الشعر الحديث المستغلق

 المبهم  ؟

ولا أملك إلا جوابـًا واحدًا : إن هذا الشعر الحديث قريب أيضًا إلى نفسي ... لما فيه من تمزق وسأم ،  ولما فيه من حيرة وقلق ، فعصر الذرة لا يدعنا نستقر ، والشعور بالاغتراب أو الاستلاب شعور ملازم رغم ما تحاول أن تضفيه بعض الفلسفات  من نفي لهذا الشعور وغرس للتفاؤل بالإنسانية الماجدة .

     فـإن قال أدونيس :

          " حلم :

          بكت المئذنة

          لان الغريب بنى فوقها مدخنة "

     علينا ألا نأخذ الحلول على أنها يسيرة إلى درجة السذاجة ، فكتابة الحلم في الواقع أمر يدعو للتفكير أكثر من استبدال المئذنة بالمدخنة وكل ما هو تحت طائلة التغيير .

     لست من جماعة " شعر " بل لا أقدر أن أكون طوعًا أو كرهًا ، ولكني أثق في اطلاعهم واضطلاعهم باللغة في الكتابة والإيماءة العذبة ....وخاصة هذا النثر الشفيف الرائق والعميق الذي تتسم به كتابتهم . هذا النفر الذي يعرفنا على أعلام الأدب العربي جدير بنا على الأقل أن نصيخ إليهم السمع . ومن حق الشاعر الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا أن يقول:

     " لا أذكر إلا المبهمات

     طي نازع يحفز

     فالوضوح للمنطق الزائل مع اللحظة الشاردة

     وتبقى المبهمات شوارد  تتردد

     كالجان نصف هناك مع شوق كالظمأ

     في أيام الشمس المحرقة "

     فلو تعرفنا على جبرا وما كتب لأكبرناه في نفوسنا ،  وما ظننا أن شعره عبث... وكذلك الحال فيما يكتبه فؤاد رفقة وعصام محفوظ وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا ويوسف الخال _ هؤلاء الرفقة الذين لا يضعون الشعر في كلمات ، وإنما يسجلون بعض لحظاته خارج الحبر .. في الجمود والحركة والانفعالات ، فهم يقولون إن الشعر المعاصر يغلب عليه التوالد اللفظي يختنق في الذهن وينحط في استمناء التجارب الشكلية الصرف ، يموت بردًا في العراء  ، وهو تخطٍّ وتفتح وحرية وخلاص . وأجمل جواب لسؤال : " ما هو الشعر " ؟ هو قولهم لا نعرف...أو لا نستطيع أن نعرف ، فالطبعة تتفجر فينا ، ولا وقت لدينا لنجفف الشعر تحت شمس الثقافة المجردة .... هم يطمحون أن يوحدوا الغناء بالتأمل ،  الجنون بالعقل ،  أن يصفوا الكون الغائب بنصفه الحاضر ، وهم أطفال أصابعهم عذراء وعيونهم تأتي للمرة الأولى * ولست أقول إن هذا الشعر يجب أن يكون سمة فارقة في أدبنا الحديث ،  ولكني أقول : لنفسح له مجالاً ولنستمع إلى القول فنتبع أحسنه ، أن نتدارسه بعمق وليس بمقياس أكل عليه الدهر وعفا .

فالناقد الذي ينطلق من قاعدة :

     " عفت الديار محلها فمقامها

                 بمنى تأبد غولها فرجامها " *

 

   لا شك أنه يفيد من اللغة وجغرافية أرض العرب ويدعم معرفته بالتراث ، لكنه يبقى قميئًا تحت شمس الجمال الشعري المحض ،  وضئيلاً في عالم الخيال الخلاق .

     أما موضوع الالتزام الملتزم بحرية الأديب الذاتية فموضوع له اعتباره في كل تقييم ، فما أحرانا أن نحاول تفهم البناء الموحد لشعر خليل حاوي والعمق عند أدونيس _ الذي قدم لنا ديوان الشعر العربي " متحفًا " على ضوء الإبداع الذوقي ... قبل أن يكون مستودعًا للغة أو لتسجيل الأمجاد _ . وكذلك أن نقف بأكثر من إطلالة على الشاعر الناقد صلاح عبد الصبور في صوفيته وحزنه .

     المهم أن نقرأ ....ونقرأ بصدر رحب ، لا أن نجعل صدرنا ضيقًا حرجًا .

________________

* نظر مقدمة مجلة شعر العددان 33 – 34

* مطلع معلقة لبيد – انظر المعلقات السبع للزوزني ص 125

 

الملحق الأدبي الأنباء - 24 – 7 – 1970

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام