د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

أنطون شماس بين الوعي واللاوعي

     كم بودي أن يكون نقدي لأنطون شماس لا معقولا أو نقدًا مبنيًا على " الهلوسة " حسب تعبير سلفادور دالي .

     ومع أني على بينة أن حصر الأطر عن شاعرنا مستحيلاً ما دمنا نتحدث عن تجارب مبهمة وحالات شعرية ومزج بين الوعي واللاوعي بل عن جنون _ ما دامت الحدود الفاصلة بين الخلق الشعري والجنون خفية المعالم _ .

    إنه جنون مبارك انطلق من ذهنية واعية أصلاً _ فكانت على سجيتها _ ، راقبنا لحظات الخروج ووقفنا نقول : _ شذت .

إذن ليعذرني القارئ  إن حاولت أن ألج عالم أنطون شماس بمنطق مستعد أن يتعايش واللامنطق ، وبأصول ذوقية ذاتية أطبقها على ديوانه " أسير يقظتي ونومي " *

والاسم _ قبل أن نفتح الديوان _ يشير الى الحركة والوعي واللاوعي :

     " أحلم يقظتي ونومي

     أسير ليلي ويومي

     لا أسير . أسير يقظتي ونومي "      (ص74)

   وان كان الملك الضليل يسير مسرعًا وعلى أثره المـُرط المذيّل فشاعرنا يسير الهوينا ويجر غصنًا وراءه ، كلاهما يمحوان الأثر حتى لا يُهتدى عليهما ، والمرط فيه سطحية ...ونقف منه بسلبية ، أما الغصن فنستدعي به خواطر _ ربما قصة زرقاء اليمامة ...وربما الثمر والعطاء ...وربما الانقطاع وزوال المجد... وربما ... _

وفي قول الشاعر :

     " لا أسير . أسير يقظتي ونومي "

فيه تناقض نستشف به مأساة الشاعر : هي التشيؤ والعدم ، وحتى الحلم لا نستطيع البت في مدى حريته _

     " فالنافذة مقفلة في وجه الحلم "       (ص11)

وفي وجه الشاعر " وفي وجهي "        (ص14)

والتمثال يقفل الأبواب ،  ومع ذلك فهو يحلم (ص21) وإحساس الشاعر أن الأبواب جميعها مقفلة (ص15) نابع من اتجاه الحزن في حياته:

     " والحزن شارع ذو اتجاه واحد "    (ص5)

فعندما يسير في الشارع ليلا يتجسم خوفه :

     " حذار

     إذا سرت ليلا        تحت مصابيح الشارع

 

     أن يفلت ظلك منك

     أو يلتصق على الجدار "       (ص56)

يتسكع شاعرنا ويرسم بفرشاة ألمه على جدران القدس (1) وفيها ينزف الألم ويحس نفسه معصورًا . والعاصرات هي القباب :

     " كنصف برتقالة تحت قبابك

     المرتفعة فوقي كالعاصرات "       (ص45)

والنصف الثاني للبرتقالة نهتدي إليه في مكان آخر :

     " النوم برتقالة . أنا

      نصفها المعصور "     (ص57)

إذن شاعرنا يعي مأساته في النصف الأول ، ويتعامل مع اللاوعي في النصف الثاني . ومن خلال هذا المزج نستطيع أن نحصل على صورتين من قول الشاعر :

     " قولوا لعازف الغيتار على بوابة الخليل

     كل بيوت المدينة سوف تنهار إذا توقف "   ص47

إلا أن نبرة الأسى تشي على الصورة وتوشيها ، ولو جمعنا ألفاظـًا يتعامل الشاعر بها وحصلنا على عصارتها مثل : شهوة  لوز ، عروس ، نوم ، نعاس ، أصابع... وبقع .. على ... لكان التركيز جنسيًا خارقًا :

     " فالشهوة تنبت بين انتفاضات الجسد "      (ص9)   

والقصيدة يعلق في عنقها " حجاب الشهوة " (ص21) ، ولكي يغمرنا الشاعر بهذا الشعور يقول :

     " قالت الشفة للإصبع

     ألم نلتق من قبل

     قال : في محطة الشهوة "     (ص36)

      ولقد حاولت أن أجد تفسيرًا آخرا لهذه الحوارية ،  وجعلت المرموز آلة هامة يلتقي فيها الشفة والإصبع _ وخاصة لمن يحبها _ بل قد حاولت أن أجعل للشهوة تخريجًا آخر على صعيد جماعي... إلا أنه أمسك بتلابيبي قائلا :

     " الحب واحد من الأمور الشخصية

     أنت فيه لوحدك كما في التابوت "     (ص58)

إذن أملك الجرأة على القول بأيروسيتيـه ... 

 

     والله يؤنسنه أنطون كما فعل مالدورو الذي جعل له صورًا متدنية ، أما أنطون فأقل لذعًا :

     " قبل أن يخرج قال لي : هل تعتقد

     أن الله رفع السلم إليه

     بعد أن وصل الى فوق "     ص42

     ....

     " ابتسم الله لنا فخرج البخار من فيه كالدخان " *    ص49

     ....

     " يتثاءب الله ويضيء لنا بفانوسه الصغير

                          كالدليل في قاعة المسرح المظلمة "          (ص 41)

     أرأيت كيف يهدم الشاعر التقاليد الشعرية ،  ويقدم لنا تراكيب غريبة بلا عقلانية أو منطقية أو قواعد أخلاقية ؟ ففي صورة يعتمد على رؤاه وأحلامه وحالاته النفسية وبثه ضمن اللاشعور واللامعقول ، فلا بدع إن رأيناه يتحدث عن البجعات وهو الشاعر الشرقي :

     " وأبكي جميع البجعات التي رحلت

     إلى الجزر الغريبة كي تموت "       ص9

     " واسأله أن يعلقني في عنق بجعة

     أطوف جميع الجزر

     قبل أن أولد حيث أشاء "      (ص12)

والكآبة التي يتعامل معها الشاعر :

     " غمامة كاذبة ملساء

     كعنق غزالة من فوهة بندقية "       (ص55)

وإذا  كان هذا التشبيه بعيدًا عن واقع الشاعر فإنه يروعنا في موقف آخر :

     " كآبتي هرولت إلي

     وتلاشيت أنت كأذان الفجر "     (ص43)

وهو بسبب ذلك يقول :

    " على المشجب أعلق وجهي "      (ص67)

     " أنمو بصمت على أمل الوصول

     ذات يوم الى المفتاح المعلق

     على مسمار موتي "      (ص69)

أرأيت كيف يجعل أنطون الموت في الفندق ، وللفندق هذا أو لنفسه أبوابًا :

     " أعرف بابين لنفسي واحدًا

     لخروج أمسي . وواحدًا

     لاثنين أنت والقصيدة

     وثالثًا أمامه أنا وحيدًا

     دخول موتي "       ص83

والقمر أو الشاعر يطل من تحت فستانها المرفوع ،  ويتسلق صدأ السياج وزنديها ثم

     " يدخن غليونه كشيخ متقاعد

     يهز رأسه مفكرًا بأحوال العالم "       (ص40)   

وماذا في العالم ؟

     " قال القاتل للجثة

          أنا عطشان

     قامت الجثة وفتحت الحنفية

          فإذا بالأشياء تنساب إليها كالمياه "      (ص59)

إنه تصوير ساتـيري للعلاقة بين الظالم والمظلوم أو بين الخالق والمخلوق . ولنختر بعض التشبيهات الطريفة غير المألوفة :

     " قبلاتي على عريك كالبصمات في ملف الشرطة "       (ص46)

     " السرير منفضة "            (ص46)

     " كزجاجة الحليب في صباح ضائع أقف "                 (ص39)

     " اختبأت تحت وحدتي الباردة كمفتاح بيتها

     الذي تخبئه تحت حجر في أول الدرج "          (ص64)

     " بعيدتان شفتاك

     رجلا يمامة مهاجرة

     وردة تذبل في المرآة الباهتة

     كصدأ الكلام "            (ص32)

     لن آخذ في التفسير ، وإن فعلت فربما أكون على خطأ ، فنحن إن كنا علماء في " البوتنيكا " فنحن حيال نبتة قوية غريبة الصورة ، وكل ما نفعله أن نصف الخارج ، فخالقها ( ربما ) نسي كيف خلقها... أزال الفروق بين الذات والموضوع .

     من هذا الوصف الخارجي أستطيع القول إن شاعرنا يستعمل حساب التعويض ، فالقصيدة تساوي خطيئة، وذلك عندما يقول :

     " من كان فيكم بلا قصيدة

     فليبدأ ويرمه بحجر "     (ص10)

والقصيدة قوس :

     " على قاب قصيدتين مني كنت

     أو أدنى "              (ص34)

والقصيدة قط :

     " والصمت بيننا كمبرد

     يلحسه لسان القصيدة "       (ص5)

     والقصيدة يطلقها في لحظة الوهن من قوة احتماله (ص30) . وبحساب التعويض نقول إن الجدران هي العدو والجمهور هو البحر :

     " الجدران من ورائكم والجمهور أمامكم "       (ص5)

كما أن هناك أشلاء أبيات قديمة وجمل توراتية انتشرت بخفاء وذكاء (مثلا ص21 ، 77 )

التجديد في الشكل :

  _ الجريان _ :                 Enjabement (1)

     وهو يتم بتداخل غريب ، بامتزاج وتنافر ، ومن رواد هذه الطريقة أنسي الحاج ، يقول أنطون :

" أعرفه الآن عن باطن كف الطفل

 الذي يلهو بطيارته في الخارج يراك

عبر الشبابيك تنزلين

ثياب الشتاء وفستانك يتسلق         (ص33)

الساقين كلهيب ما قبل نفاد الزيت " *

(2) وضع علامات الترقيم أو التفقير في القصيدة ، وقد ألفيناها في كتابات الشعراء العبريين المحدثين وشعراء مجلة

" شعر " :

  " في ظلام السادسة ، كذاكرتي . هويت فانشق ستار المسرح ، وفي السابعة تلاشيت . ثم لعقت ظهري ، على بعد سبع شمعات ( منك ؟ ) رطوبة الجدار . "        (ص63)       

(3) وقد لاحظت بشكل مفاجئ قصيدة تتضمن كل أنواع التجديد البنائي (ص22) ، وكأن هذا التجديد لا يصلح إلا هنا ، وهو في نظري يحمل استعدادًا مسبقًا ودراسة واعية لفكرتها تمامًا كحساب القافية عند الشاعر القديم ، وهذه المحاولات وقعنا عليها تحت تأثير الشاعر كمنجز ومنها : التشبيه (ما قبل نفاذ الزيت) مترجما ברבור وهو تشبيه آخر بعيد .

أ _ تقطيع الكلمة الى مقاطع وتدخل كلمات أخرى بين المقطع والآخر :

          _ " شا _ على العتبة _ ردًا "

وكأن جزء الكلمة (يشرد) إذ نقرأ شاردًا

ب _ جعل المقطع الثاني في سطر جديد :

           " يفك أحجيا

             تك "

وفي فك الأحجيات (تك ) أونوموتوبيا .

ج _ تكرار حرف معين " يمدوووون "

      وهذه الإطالة للمد وللمشاركة فيها .

د_ تقطيع الكلمة الى حروف ممزقــة :

              ت

              س

              ا

              ق

              ط

              ا

              ن

وفي هذا الانحدار دليل على السقوط

ه _ تكرار مقطع : " لؤلؤلؤتين يلتقطهما "

     والتكرار هنا لأهمية الشيء أو لعدم التصديق .

و _ جمع الكلمات في رسم كتابي موحد حتى يدل على الامتزاج :

         وتمتطيصهوتا لأسطورة ولا يبقى من

         الشمسالغاربة

         غير راتحتالبرتقال في دروبالبيارات

وما يؤخذ على هذه القصيدة ذات التجارب الشكلية أنها تبعدنا عن متابعة المضمون أو مشروع الفكرة .

(4) طريقة كتابة القصيدة أفقيًا وعموديًا في نهرين متقابلين :

     " وأنت بعيدة               كل شيء في غرفتي

     مستحيل كابتداء قصيدة              شفاه

              تريد الكلام فترسمها ريشة الصمت "

وهنا نجد تشابك الصور وتعارضها واختلاف اتجاهات قراءتها .  (ص 29 ومثل آخر ص 60 )

(5) ينهي القصيدة بلا معنى أو يكتفي :

     " ولي يخيل أني "        (ص76)

     " وأن أقول "            (ص77)

     " وأما الجسد "          (ص79)

ومن هذه الشكليات أود الإشارة إلى قوله :

     " ونصبه عاليًا قبل أن ينا

     منا "                   (ص50)

فهل يريد القول "ينال منا " ؟

وكلمة أخرى غريبة " بقع الأشن "      (ص54)

ويعني بها نوعًا من الطحالب ، فلماذا هذا التعمل وخاصة إذا أجرينا الحساب أن الصيغة خطأ .

ويقول الشاعر : " إذا انتسيت في قطار الساعة الرابعة "      (ص57)

وهو استعمال جديد وقع بتأثير العبرية يقول :

     " أنت فيه لوحدك

     الحب واحد من الأمور الشخصية "      (ص58)

وحبذا لو ضبط اللغة :

     " أنت فيه وحدك

     الحب أحد الأمور الشخصية " *

كما نجد صعوبة بالغة في تحديد المسند والمسند إليه مثال :

     " وقلت زغب الصنوبر الفخذين

     قشعريرة الشهوة "         (ص65)

     أما إخراج الكتاب فهو منقول عن كتابي ( أمير جلبواع ) * شكلا وتبويبًا ، وقد قصر الشاعر بضعة أبيات في أعلى كل صفحة على غرار ( جلبواع ) ، بل إن طريقة افتتاحية الكتاب لدى  الشاعرين وجعلها قصيدة ....وطريقة كتابة الفهرست وأسماء القصائد بمطالعها هي لهذا الشاعر العبري ...

     وهكذا استخرجنا بعض الكنوز أو مادة الخام لمركبات عرضية ، لحالات خيالية استقطرت من ذهنية مبدعة  ،فالسريالية " حالة عقلية " كما أشار بول أليوار ، بالإضافة إلى أننا عشنا في جو سحري... والشعر سحر  - كما يرى رامبو .

_______________

* أسيـر يقظتي ونومي _ إصدار مجلة الشرق 1974

(1) لم يرد اسم القدس في مجموعته،  بينما ورد الاسم واضحا في مجموعته العبرية

*هذا البيت ضمن قصيدة ترجمها أنطون في ديوانه بالعبرية، ولكن هذا البيت بالذات لم يظهر بالترجمة فلماذا ؟

* كنت أظن أن (باطن كف الطفل) تركيبة واحدة ، لكني عندما اطلعت على ترجمتها بالعبرية في ديوانه כריכה קשה وجدت نقطة بعد كلمة "كف" أي أن الجملة بالعبرية تبدأ من كلمة الطفل، ثم وجدت

* انظر التعبير السابق  : واحد من ......إنه تعبير عبري ،  أم أن طاقة اللغة العربية لا تتسع ؟

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام