|
كم بودي أن يكون
نقدي لأنطون
شماس لا معقولا
أو نقدًا مبنيًا
على " الهلوسة "
حسب تعبير
سلفادور دالي .
ومع أني
على بينة أن حصر
الأطر عن شاعرنا
مستحيلاً ما
دمنا نتحدث عن
تجارب مبهمة
وحالات شعرية
ومزج بين الوعي
واللاوعي بل عن
جنون _ ما دامت
الحدود الفاصلة
بين الخلق
الشعري والجنون
خفية المعالم _
.
إنه جنون
مبارك انطلق من
ذهنية واعية
أصلاً _ فكانت
على سجيتها _ ،
راقبنا لحظات
الخروج ووقفنا
نقول : _ شذت .
إذن ليعذرني
القارئ إن
حاولت أن ألج
عالم أنطون شماس
بمنطق مستعد أن
يتعايش
واللامنطق ،
وبأصول ذوقية
ذاتية أطبقها
على ديوانه "
أسير يقظتي
ونومي " *
والاسم _ قبل أن
نفتح الديوان _
يشير الى الحركة
والوعي واللاوعي
:
" أحلم
يقظتي ونومي
أسير ليلي
ويومي
لا أسير .
أسير يقظتي
ونومي "
(ص74)
وان كان
الملك الضليل
يسير مسرعًا
وعلى أثره
المـُرط المذيّل
فشاعرنا يسير
الهوينا ويجر
غصنًا وراءه ،
كلاهما يمحوان
الأثر حتى لا
يُهتدى عليهما ،
والمرط فيه
سطحية ...ونقف
منه بسلبية ،
أما الغصن
فنستدعي به
خواطر _ ربما
قصة زرقاء
اليمامة
...وربما الثمر
والعطاء
...وربما
الانقطاع وزوال
المجد... وربما
... _
وفي قول الشاعر
:
" لا أسير .
أسير يقظتي
ونومي "
فيه تناقض نستشف
به مأساة الشاعر
: هي التشيؤ
والعدم ، وحتى
الحلم لا نستطيع
البت في مدى
حريته _
" فالنافذة
مقفلة في وجه
الحلم "
(ص11)
وفي وجه الشاعر
" وفي وجهي "
(ص14)
والتمثال يقفل
الأبواب ، ومع
ذلك فهو يحلم
(ص21) وإحساس
الشاعر أن
الأبواب جميعها
مقفلة (ص15)
نابع من اتجاه
الحزن في حياته:
" والحزن
شارع ذو اتجاه
واحد " (ص5)
فعندما يسير في
الشارع ليلا
يتجسم خوفه :
" حذار
إذا سرت
ليلا تحت
مصابيح الشارع
أن يفلت
ظلك منك
أو يلتصق
على الجدار
" (ص56)
يتسكع شاعرنا
ويرسم بفرشاة
ألمه على جدران
القدس
(1)
وفيها ينزف
الألم ويحس نفسه
معصورًا .
والعاصرات هي
القباب :
" كنصف
برتقالة تحت
قبابك
المرتفعة
فوقي كالعاصرات
" (ص45)
والنصف الثاني
للبرتقالة نهتدي
إليه في مكان
آخر :
" النوم برتقالة
. أنا
نصفها
المعصور "
(ص57)
إذن شاعرنا يعي
مأساته في النصف
الأول ، ويتعامل
مع اللاوعي في
النصف الثاني .
ومن خلال هذا
المزج نستطيع أن
نحصل على صورتين
من قول الشاعر :
" قولوا لعازف
الغيتار على
بوابة الخليل
كل بيوت
المدينة سوف
تنهار إذا توقف
" ص47
إلا أن نبرة
الأسى تشي على
الصورة وتوشيها
، ولو جمعنا
ألفاظـًا يتعامل
الشاعر بها
وحصلنا على
عصارتها مثل :
شهوة لوز ،
عروس ، نوم ،
نعاس ، أصابع...
وبقع .. على ...
لكان التركيز
جنسيًا خارقًا :
" فالشهوة تنبت
بين انتفاضات
الجسد "
(ص9)
والقصيدة يعلق
في عنقها "
حجاب الشهوة "
(ص21) ،
ولكي يغمرنا
الشاعر بهذا
الشعور يقول :
" قالت
الشفة للإصبع
ألم نلتق
من قبل
قال : في
محطة الشهوة
" (ص36)
ولقد
حاولت أن أجد
تفسيرًا آخرا
لهذه الحوارية ،
وجعلت المرموز
آلة هامة يلتقي
فيها الشفة
والإصبع _ وخاصة
لمن يحبها _ بل
قد حاولت أن
أجعل للشهوة
تخريجًا آخر على
صعيد جماعي...
إلا أنه أمسك
بتلابيبي قائلا
:
" الحب واحد من
الأمور الشخصية
أنت فيه
لوحدك كما في
التابوت "
(ص58)
إذن أملك الجرأة
على القول
بأيروسيتيـه
...
والله
يؤنسنه أنطون
كما فعل مالدورو
الذي جعل له
صورًا متدنية ،
أما أنطون فأقل
لذعًا :
" قبل أن يخرج
قال لي : هل
تعتقد
أن الله
رفع السلم إليه
بعد أن وصل
الى فوق "
ص42
....
" ابتسم الله
لنا فخرج البخار
من فيه كالدخان
" * ص49
....
" يتثاءب
الله ويضيء لنا
بفانوسه الصغير
كالدليل في قاعة
المسرح المظلمة
" (ص
41)
أرأيت كيف
يهدم الشاعر
التقاليد
الشعرية ،
ويقدم لنا
تراكيب غريبة
بلا عقلانية أو
منطقية أو قواعد
أخلاقية ؟ ففي
صورة يعتمد على
رؤاه وأحلامه
وحالاته النفسية
وبثه ضمن
اللاشعور
واللامعقول ،
فلا بدع إن
رأيناه يتحدث عن
البجعات وهو
الشاعر الشرقي :
" وأبكي
جميع البجعات
التي رحلت
إلى الجزر
الغريبة كي تموت
" ص9
" واسأله
أن يعلقني في
عنق بجعة
أطوف جميع
الجزر
قبل أن
أولد حيث أشاء
" (ص12)
والكآبة التي
يتعامل معها
الشاعر :
" غمامة كاذبة
ملساء
كعنق غزالة
من فوهة بندقية
" (ص55)
وإذا كان هذا
التشبيه بعيدًا
عن واقع الشاعر
فإنه يروعنا في
موقف آخر :
" كآبتي هرولت
إلي
وتلاشيت
أنت كأذان الفجر
" (ص43)
وهو بسبب ذلك
يقول :
" على المشجب
أعلق وجهي
" (ص67)
" أنمو
بصمت على أمل
الوصول
ذات يوم
الى المفتاح
المعلق
على مسمار
موتي "
(ص69)
أرأيت كيف يجعل
أنطون الموت في
الفندق ،
وللفندق هذا أو
لنفسه أبوابًا :
" أعرف
بابين لنفسي
واحدًا
لخروج أمسي
. وواحدًا
لاثنين أنت
والقصيدة
وثالثًا
أمامه أنا
وحيدًا
دخول موتي
" ص83
والقمر أو
الشاعر يطل من
تحت فستانها
المرفوع ،
ويتسلق صدأ
السياج وزنديها
ثم
" يدخن غليونه
كشيخ متقاعد
يهز رأسه
مفكرًا بأحوال
العالم "
(ص40)
وماذا في العالم
؟
" قال القاتل
للجثة
أنا
عطشان
قامت الجثة
وفتحت الحنفية
فإذا
بالأشياء تنساب
إليها كالمياه
" (ص59)
إنه تصوير
ساتـيري للعلاقة
بين الظالم
والمظلوم أو بين
الخالق والمخلوق
. ولنختر بعض
التشبيهات
الطريفة غير
المألوفة :
" قبلاتي
على عريك
كالبصمات في ملف
الشرطة "
(ص46)
" السرير
منفضة
"
(ص46)
" كزجاجة
الحليب في صباح
ضائع أقف
"
(ص39)
" اختبأت
تحت وحدتي
الباردة كمفتاح
بيتها
الذي تخبئه
تحت حجر في أول
الدرج
"
(ص64)
" بعيدتان
شفتاك
رجلا يمامة
مهاجرة
وردة تذبل
في المرآة
الباهتة
كصدأ
الكلام
"
(ص32)
لن آخذ في
التفسير ، وإن
فعلت فربما أكون
على خطأ ، فنحن
إن كنا علماء في
" البوتنيكا "
فنحن حيال نبتة
قوية غريبة
الصورة ، وكل ما
نفعله أن نصف
الخارج ،
فخالقها ( ربما
) نسي كيف
خلقها... أزال
الفروق بين
الذات والموضوع
.
من هذا
الوصف الخارجي
أستطيع القول إن
شاعرنا يستعمل
حساب التعويض ،
فالقصيدة تساوي
خطيئة، وذلك
عندما يقول :
" من كان فيكم
بلا قصيدة
فليبدأ
ويرمه بحجر
" (ص10)
والقصيدة قوس :
" على قاب
قصيدتين مني كنت
أو أدنى
"
(ص34)
والقصيدة قط :
" والصمت بيننا
كمبرد
يلحسه لسان
القصيدة "
(ص5)
والقصيدة
يطلقها في لحظة
الوهن من قوة
احتماله (ص30) .
وبحساب التعويض
نقول إن الجدران
هي العدو
والجمهور هو
البحر :
" الجدران من
ورائكم والجمهور
أمامكم "
(ص5)
كما أن هناك
أشلاء أبيات
قديمة وجمل
توراتية انتشرت
بخفاء وذكاء
(مثلا ص21 ، 77
)
التجديد في
الشكل :
_ الجريان
_ :
Enjabement
(1)
وهو يتم
بتداخل غريب ،
بامتزاج وتنافر
، ومن رواد هذه
الطريقة أنسي
الحاج ، يقول
أنطون :
" أعرفه الآن عن
باطن كف الطفل
الذي يلهو
بطيارته في
الخارج يراك
عبر الشبابيك
تنزلين
ثياب الشتاء
وفستانك
يتسلق
(ص33)
الساقين كلهيب
ما قبل نفاد
الزيت " *
(2) وضع علامات
الترقيم أو
التفقير في
القصيدة ، وقد
ألفيناها في
كتابات الشعراء
العبريين
المحدثين وشعراء
مجلة
" شعر " :
" في ظلام
السادسة ،
كذاكرتي . هويت
فانشق ستار
المسرح ، وفي
السابعة تلاشيت
. ثم لعقت ظهري
، على بعد سبع
شمعات ( منك ؟ )
رطوبة الجدار .
" (ص63)
(3) وقد لاحظت
بشكل مفاجئ
قصيدة تتضمن كل
أنواع التجديد
البنائي (ص22) ،
وكأن هذا
التجديد لا يصلح
إلا هنا ، وهو
في نظري يحمل
استعدادًا
مسبقًا ودراسة
واعية لفكرتها
تمامًا كحساب
القافية عند
الشاعر القديم ،
وهذه المحاولات
وقعنا عليها تحت
تأثير الشاعر
كمنجز ومنها :
التشبيه (ما قبل
نفاذ الزيت)
مترجما
ברבור
وهو تشبيه آخر
بعيد .
أ _ تقطيع
الكلمة الى
مقاطع وتدخل
كلمات أخرى بين
المقطع والآخر :
_ "
شا _ على العتبة
_ ردًا "
وكأن جزء الكلمة
(يشرد) إذ نقرأ
شاردًا
ب _ جعل المقطع
الثاني في سطر
جديد :
"
يفك أحجيا
تك
"
وفي فك الأحجيات
(تك )
أونوموتوبيا .
ج _ تكرار حرف
معين
" يمدوووون "
وهذه
الإطالة للمد
وللمشاركة فيها
.
د_ تقطيع الكلمة
الى حروف
ممزقــة :
ت
س
ا
ق
ط
ا
ن
وفي هذا
الانحدار دليل
على السقوط
ه _ تكرار مقطع
:
" لؤلؤلؤتين
يلتقطهما "
والتكرار هنا
لأهمية الشيء أو
لعدم التصديق .
و _ جمع الكلمات
في رسم كتابي
موحد حتى يدل
على الامتزاج :
وتمتطيصهوتا
لأسطورة ولا
يبقى من
الشمسالغاربة
غير
راتحتالبرتقال
في دروبالبيارات
وما يؤخذ على
هذه القصيدة ذات
التجارب الشكلية
أنها تبعدنا عن
متابعة المضمون
أو مشروع الفكرة
.
(4) طريقة كتابة
القصيدة أفقيًا
وعموديًا في
نهرين متقابلين
:
" وأنت
بعيدة
كل شيء في غرفتي
مستحيل
كابتداء
قصيدة
شفاه
تريد الكلام
فترسمها ريشة
الصمت "
وهنا نجد تشابك
الصور وتعارضها
واختلاف اتجاهات
قراءتها .
(ص 29 ومثل
آخر ص 60
)
(5) ينهي
القصيدة بلا
معنى أو يكتفي :
" ولي يخيل
أني "
(ص76)
" وأن أقول
"
(ص77)
" وأما
الجسد
"
(ص79)
ومن هذه
الشكليات أود
الإشارة إلى
قوله :
" ونصبه عاليًا
قبل أن ينا
منا
"
(ص50)
فهل يريد القول
"ينال منا " ؟
وكلمة أخرى
غريبة " بقع
الأشن "
(ص54)
ويعني بها نوعًا
من الطحالب ،
فلماذا هذا
التعمل وخاصة
إذا أجرينا
الحساب أن
الصيغة خطأ .
ويقول الشاعر :
" إذا انتسيت
في قطار الساعة
الرابعة "
(ص57)
وهو استعمال
جديد وقع بتأثير
العبرية يقول :
" أنت فيه
لوحدك
الحب واحد
من الأمور
الشخصية "
(ص58)
وحبذا لو ضبط
اللغة :
" أنت فيه
وحدك
الحب أحد
الأمور الشخصية
" *
كما نجد صعوبة
بالغة في تحديد
المسند والمسند
إليه مثال :
" وقلت زغب
الصنوبر الفخذين
قشعريرة
الشهوة
" (ص65)
أما إخراج
الكتاب فهو
منقول عن كتابي
( أمير جلبواع )
* شكلا وتبويبًا
، وقد قصر
الشاعر بضعة
أبيات في أعلى
كل صفحة على
غرار ( جلبواع )
، بل إن طريقة
افتتاحية الكتاب
لدى الشاعرين
وجعلها قصيدة
....وطريقة
كتابة الفهرست
وأسماء القصائد
بمطالعها هي
لهذا الشاعر
العبري ...
وهكذا
استخرجنا بعض
الكنوز أو مادة
الخام لمركبات
عرضية ، لحالات
خيالية استقطرت
من ذهنية مبدعة
،فالسريالية "
حالة عقلية "
كما أشار بول
أليوار ،
بالإضافة إلى
أننا عشنا في جو
سحري... والشعر
سحر - كما يرى
رامبو .
_______________
* أسيـر يقظتي
ونومي _
إصدار مجلة
الشرق 1974
(1)
لم يرد اسم
القدس في
مجموعته، بينما
ورد الاسم واضحا
في مجموعته
العبرية
*هذا البيت ضمن
قصيدة ترجمها
أنطون في ديوانه
بالعبرية، ولكن
هذا البيت
بالذات لم يظهر
بالترجمة فلماذا
؟
* كنت أظن أن
(باطن كف الطفل)
تركيبة واحدة ،
لكني عندما
اطلعت على
ترجمتها
بالعبرية في
ديوانه
כריכה
קשה
وجدت نقطة بعد
كلمة "كف" أي أن
الجملة بالعبرية
تبدأ من كلمة
الطفل، ثم وجدت
* انظر
التعبير السابق
: واحد من
......إنه تعبير
عبري ، أم أن
طاقة اللغة
العربية لا تتسع
؟ |