د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

ماذا في القمة والقاع ؟

أغاني القمة ....والقاع  شعر : عبد اللطيف عقل

     عبد اللطيف عقل شاعر مسؤول أمام الكلمة والقيمة ، أطلق ذاته المغتربة من وهج المأساة وأوفدها للقارئ الواعي أمانة في عنقه _ أمانة عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها ، وحملتها آلهة الحزن التي تتقن رقص الأوبرا في القمم والقيعان ، " لأنه لا بعد بين قمة الوجد وقاعه " (أغاني القمة .... ص3)

من فضلكم افتحوا الديوان !

_ أربع كراسات صدرها بوصية :

الكراسة الاولى _ مأساة أوديب

الكراسة الثانية _ أغاني حادي العيس

الكراسة الثالثة _ أغان على الصليب

الكراسة الرابعة _ أوراق بين القمة والقاع .

ثلاث تراجيديات ودراما ساتيرية ، تمامًا كأنه شاعر يوناني يتقدم لمسابقة .

 

     الكراسة الاولى : مأساة أوديب : أسطورة أسخيلوس اليوناني ولمن نسي خيوطها نلم له بعضها :

 

     _ كان لايوس ملك طيبة قد تزوج من لوكاست ، وقد أوحت الآلهة للملك لايوس بأن سينجب ولدًا اسمه (أوديب) ،  سيكون قاتلاً للملك -  أي لأبيه _ ويهيمن على العرش فما كان من لايوس إلا أن كاد للصبي ، لكن الصبي ظل في حماية الآلهة ليجري القدر مجراه . ينشأ ويترعرع حتى يقتل أباه من غير علم أنه هو أبوه ، ثم يقتل الوحش _ أبا الهول _ ويتربع على العرش ويتزوج أمه _ الملكة _ .

     لكن الوحش الهائل عكر عليهما الصفو ،  وأخبرهما بالحقيقة المذهلة فانتحرت جوكاست وفقأ أوديب عينيه .

هذه ملامح من الأسطورة التي استفاد منها الشاعر ، استفاد من سَداها ولحمتها ،  لكنه لم يخضع لها بكليتها ، فالشاعر سيد الموقف يصدر الكراسة الأولى طبقًا لقانون الوحدات الثلاث : الزمان والمكان والنوع .

يبتدىء الشاعر :

     " الزمان يفقد تتابعه

     المكان يختصر امتداده

     وتتجمع الشخوص في لحظة واحدة

     ومكان واحد       ( ص 18 )

     إننا الآن في قمة المأساة "   

     أوديب في الأسطورة القديمة لا يثير بك عطفًا إلا عندما تقوده أنتيغونا _ كان أعمى... حتى ابنة طه حسين بكت لحاله أو لحال أبيها _ ولكن " أوديب " عقل منقذ ، بحار (28) ، أمه جوكاست " الأرض " التي تلد يسوع ، دمها عطر ، وتسقي اللوز والزيتون أجفانها . (ص26)

     لايوس الماضي الموبوء بكل مخلفاته _ الواجمة _ يعترف أن أوديب سيستولد الأرض الجديبة ، لكنه ما يفتأ يوصي بقتل أوديب (ص25) ، أبو الهول شرير في لباس إمام ، يحفظ الوصايا العشر عن ظهر قلب أو قلب ظهر ، ويفتك بأخوة أوديب ويفعل فيهم الأفاعيل . (ص26)

     والملك كريون في حضن جوكاست _ لم يتغير شيء _ .

الشاعر متواجد في كل شخصية ، في العراف الذي ينقل أخبار الآلهة وإرادتها يتدخل في دوره ويقول :

     " يا نبيًا ... قد صلبناه فمتنا

     يوم صلبه _ .      (ص24)

الشاعر يكاد يكون (أوديب)... فيقول :

     " جئت من قلب الفراغ المر

     ومسحت الذل

     عن كل الجباه العربية "      (ص 31)

ألم يتــنـزى من أعماق الشاعر قبل أن نتبين  أن هذا كلام أوديب :

     " واسحبوني قبل أن أولد من أحشاء

     جوكاست الحبيبة

     واقتلوني يا عبيد الغرباء _ "    (ص 32)

     الكراسة الثانية (أغاني حادي العيس) : غزليات يحفظها العشاق وهاك :

     " صغيرة أشتار من ثغرها

                    أزهار لوز بعد لم يثمر "    ص37

     فأنت أنثى في ربيع الصبا

                    وقامة فرع وصدر ثري "  ص39

الغزل له طعمان : طعم المزج الجميل والتلاقي بين ثغر الحبيبة وثغر الأرض ، شفتان تنفرجان على قبلة يقبلها عبد اللطيف .... وحبال الدعاء تربط بينه وبين حبيبته ، هذا الحبيب أول الليل

     " مر في خاطره

     تمدد زهوًا .. وماج اختيالا ...

     وتأبى وسامته أن تنالا "      ص46   

     أما الحضور فهو في الأرض ساعتها يحضر طيف حبيبته ويغفو (ص47) .

 الغزل الثاني فيه طعم الجوع الذي يكاد يحرقنا ،  وهي التنويعات الغزلية والتوقيعات الذاتية ، واقع شعري يروده عبد اللطيف مؤمنًا أن الكلمة يجب أن يقولها هو كما يشاء زاخرة بفنيتها وجماليتها .

     الكراسة الثالثة (أغان على الصليب) : عذاب الشاعر ، توتر ، عذابات ، رؤى عظيمة ممتزجة بالانتماء ، بحث وراء الماضي والحاضر والمستقبل ، نكء الجروح ، لاستطلاع مشارف الآتي مستقبل أبهج _ على الأقل _ تسوغه المعدة . يخطو يقف ذاهلاً صارخًا رافضًا لاعنًا حتى يستحضر المستقبل . يقف ليستأصل الأقزام والوحش القابع خلف الوجه... والجدري الذي سلط على عيني البدوي ،  والعراف صاحب اللحية _ التي ينطبق عليها وصف ابن

 الرومي _ .

     الكراسة الرابعة (أوراق بين القمة والقاع) : ورقتان فيهما التهكم الساتيري ، اختصار المسافة العربية في أوراق تنضح عظامًا نخرة وزيفًا . الشاعر يلم عمائم أهله ويحرقها (ص135) . يكتب قصيدة النثر وهي كما يقول مالارميه " النثر لا يوجد ، فحيث الجهد في الأسلوب فهناك النظم " ، ويوافق حركات النفس الغنائية وتموجات وقفزات الضمير - كما قال بودلير لصديقه ( أرسين هومسي ) عندما صدر له المجموعة الشعرية .

     ومع هذا فالشاعر بالكثافة والزخم يتراوح بين القمة والقاع ، يخبط كطابة ، يغترب مرة أخرى تحت ضغوط المجتمع ومقاساته _ المقاسات تمامًا مثل مقاييس القصيدة : بالمسطرة (ص143) _ ، وفي اغتراب ذاته يكاد يذعر :

     " وجهي يغسله الخوف "       (135)

     والذعر لا يؤدي به دائمًا إلى الانهيار ،  بل أحيانًا يسمو للقمة ، وفي كلتا الحالتين يرتبط التبسيط والتكثيف في تجارب إنسانية حميمة تعززها مدلولات فلسفية وفكرية .

     والديوان برفض الواقع بقدر ما يعانق الحزن ، يغترب ليتسامى ، يقودنا في رحلتنا الطويلة... وذلك بتعبئة أفكارنا بفحوى الأشياء وحقيقتها كما يرى ييتس في قيمة الفنون .

 عبد اللطيف في ديوانه منتم ولا منتم كما تشاء ، انتماؤه يعززه لا انتمائية للدجل والشعوذة ، ولا انتمائيته يعززها انتماء للأرض .

  وفي صوته بقايا نغمات لشعراء آخرين نلحظها لحظا نزار : " سيوفنا أطول من قاماتنا "   (دفتر على هوامش النكسة)..

عقل : " الاقزام والسيوف الطويلة "    (ص76)

درويش : " عيونك شوكة في القلب .

            توجعني وأعبدها "         (عاشق من فلسطين ص5)

عقل : " حضورك يا منيتي

         مدية . رضيتك "       (ص 49)

نواف عبد حسن في قصيدته ( وجوه من رحلة التعب ) * يذكر الكلمات التالية : الوصايا العشر ، الصمت ، التعب ،

الرحيل ....وهذه التعابير في قصيدة ( اللحظة والمنفى ) ص68 للشاعر عقل ،  ولكن كل منهما في واد إذ يقول

نواف :

     " يبكون على خطبة الإمام في يوم الجمعة "

ويقول عقل :

     " ورجمني إمام المسجد في خطبة الجمعة "       ص140

ولعل ذلك أيضًا ملموس في الشعر القديم :

بشار :

     " كيف بأمي إذا رأت شفتي

                  أم كيف إن شاع منك ذا الخبر *

عقل :

     " ويلمس واخجلي شفتي

     أتعرف أمي "          (ص47)

لا تتريب على الشاعر ،  فالمعاني ملقاة على قارعة الطريق - كما يقول نقادنا القدامى .

     شيء مغر في ديوان عبد اللطيف _ وهو انتقاؤه العنوان . فعنوان القصيدة أجمل في نظري من مضمونها ، العنوان فستان ينتقيه لحبيبته ويحسن انتقاءه بذوق ، لا تكاد تخطر حتى تشرئب الأعناق ، والقصيدة عنده ملخص تركيزي لقصائد سابقة ، فيها تكرار للذات بشكل أعمق  ، وكل قصيدة تهمس لي : أنا أجسد تجربة عقل .

     الرحيل ورائحة الارض (ص124) : قصيدة ترحل فيها النفس من الأفق المجهول ، تحمل أبعادًا زمنية ، طفولة شاعرية ،  وخيالاً أملاه الهروب من الواقع الذي تشيخ فيه الشباب .

     الأصل والصورة (ص89) : الأصل مخلفات صدئت تحاول أن تفرض نفسها ، والصورة تتهكم وتنفعل .

     خمس أغنيات للضياع ص129 : يغنيها للجنس ، والفراغ _ المفسدة _ ، للجنس ثانية ، للعلم الذي ليس من ورائه طائل ، وللشيخ المعمم . يكاد يقنعنا في حديثه عن العراف أنه طيب :

     " خلص الزمنى وما ظلت عقيم في النساء "    (83)

صعده درجة درجة.... فكدت أصدق إنسانيته ، ثم ما لبث أن أهوى به الى القاع :

     " كل شيء فيك مات "

وغضب الشاعر على ( الشيوخ ) فيه الحاد واع ومثقف وفيه إيمان :

     " لحية الشيخ الطويلة

      لا يعري زيفها المدهون إلا صوت شاعر "     ص138

 

يتهكم الشاعر على التعلق باللحم النسائي والتهالك عليه ، ثم ما يلبث أن يقع في الشرك :

     " ليس للحب وجود

     إنه محض حكايا وأمان

     هو فعل الحب      ص 118  

     الهوى ساعات خطف وانطفاء "

     يتغاير هذا الحب بالحب الذي يكلفه غاليًا ، هذا الحب نتيجة التخاذل ليس هو سببه على كل حال ، يدعوه السلطان ...ويسل من عينيه خيط النور ، ويساعده في ذلك أخوه ووالده وجاره ،/  فكلهم متألبون عليه... يعلمه السلطان أن حب ذويه جريمة (ص85) ،  لذا تطل صور الوهم والأقدام الحافية والسيوف الطويلة التي يحملها الأقزام فيقرر الشاعر قائلاً:

     " مخرج الكلمة منفاها وحد الملكوت "    (ص67)  

الحزن هو الإطار الذي أطر نفسية الشاعر  :

     " لكنني أحترف الأحزان "           (ص72)

وحزنه كبرياء نسمع منه :

     " حزني الكبير

     ينزف في دفاتري     (ص75)  

     حروف كبرياء "

ولماذا هذا الحزن الذي نحسه قبل أن ينطق به معترفـًا على كرسي الشعر ؟

     للإجابة على هذا السؤال سنتجول في المدينة .

يرتاد المقهى فيرى :

     " من سداها

     يولد الأبطال وتنمو المعجزات "    (ص78)

وحتى تتم فصول التفاهة والخواء دخلنا فإذا الحديث :

     " أنا لولا القص غاب

     كنت أرديتك أجهزت عليك _ "       (ص79)

هذه هي المادة التي يصهر الشاعر فيها ذاته ، لأجلها يصارع ويقاتل في الخيال :

     " همد المقهى وظل التبغ مصلوبا

      وأعقاب السجاير

      جثث محروقة الأوصال "       (ص79)

والشعر عند هذه المادة خطايا وكأنه يتفلسف ، لذلك نجده يخاطب نفسه في الوطن :

     " أيها الوطن المعلق على الشفاه

     كقربة ماء

     وتحت البطون كاللبن اللزج

     لن أكتب لجراحك البيض قصيدة غزل

     لأنني كنت طفلاً حين شربوك إبريقا

     من القهوة الباردة "       (ص144)

ومن خلال هذه النظرة التي يسميها البعض يأسا أو بعض يأس يتمثل له الشاعر قبرًا :

      الشاعر يحلم بصوت يقطع الصمت... وكذلك فإن  الشاعر يحلم أن يقطع الصمت ،  وأن يشرق نور ليحرق الليل .....ولكن من خلال محاسبة الذات .

الحزن أحيانًا يمتزج بشعور التفاهة إزاء الواقع :

     " تورقت ملامح الصغار

      كأنما الوجوه من ورق "       ص113

ورق ورق ....يكررها الشاعر ليعرفنا بالتمزق والأشلاء في مدينة " لا تحفل بالغرباء ".

     الورق أحيانًا أغنية : الكراسة الرابعة سماها أوراق بين القمة والقاع ، والديوان أغاني القمة والقاع ، إذن فالورقة أغنية _ إذا تساوت الكميتان _ ولا عجب فالقمة عنده تظهر عهر السفح الواطئ .

     الشاعر يبحث عن نفسه كثيرًا ، يتفحص وجوده خلال الورق ، وحياة لا توضع موضع التأمل لا تستحق أن تستمر كما يقول سقراط .

وأخيرًا ،

أود لو أبدأ من جديد :

     القصيدة الأولى _ الوصية أولاً _ (ص9) لا أملك أن أقول عنها أكثر من أنها زاخرة بالصور الملهمة كأنها قطعة _ يد الله _ التي أبدعها رودين ، تحتاج إلى ذهن متفتح ومتخيل يستوعب ما فيها حتى حجرتيها ، تتبين لك خطوط مأساوية وامتزاج بين الماء والنار يجمعهما في يده .

     كنت أرجو أن تكون هذه القصيدة خاتمة تضاف إلى " أوراق بين القمة والقاع " ، ويكون عنوانها الوصية أخيرًا ...فما أروعها وصية تكاد تكون شرخًا في الرأس بتلاوينها وبتدليكها الخدر الذي شل حواسنا ، كيف جرؤ عقل أن يفتتح بها الديوان ليلقمها القارئ الذي يسخر بمثل هذا الشعر ،  ويقول أن أصحابه عجزة ولا بد لهم من نهاية .

 

ولا بد من نهاية :

 

     من تهنئة الرسام سابا الذي تعانقت خطوطه مع كلمات عقل .

 انبثقت كلمات عقل صافية أصيلة ، ثم رافقته متوترة... وعمرت كلماته بالرسوم بقدر ما عمرت خطوط الفنان

بالشعر .

 

_______________

* الشرق ،  السنة الأولى  ، العدد 8 ص 15 .

* الأصبهاني ، الأغاني ج3 ص 178

 

نشرت في الملحق الأدبي  لجريدة الأنباء 13 -10 -1972

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام