|
عبد اللطيف
عقل شاعر مسؤول
أمام الكلمة
والقيمة ، أطلق
ذاته المغتربة
من وهج المأساة
وأوفدها للقارئ
الواعي أمانة في
عنقه _ أمانة
عرضت على
السموات والأرض
فأبين أن
يحملنها ،
وحملتها آلهة
الحزن التي تتقن
رقص الأوبرا في
القمم والقيعان
، " لأنه لا بعد
بين قمة الوجد
وقاعه " (أغاني
القمة ....
ص3)
من فضلكم افتحوا
الديوان !
_ أربع كراسات
صدرها بوصية :
الكراسة الاولى
_ مأساة أوديب
الكراسة الثانية
_ أغاني حادي
العيس
الكراسة الثالثة
_ أغان على
الصليب
الكراسة الرابعة
_ أوراق بين
القمة والقاع .
ثلاث تراجيديات
ودراما ساتيرية
، تمامًا كأنه
شاعر يوناني
يتقدم لمسابقة .
الكراسة الاولى
: مأساة أوديب :
أسطورة أسخيلوس
اليوناني ولمن
نسي خيوطها نلم
له بعضها :
_ كان
لايوس ملك طيبة
قد تزوج من
لوكاست ، وقد
أوحت الآلهة
للملك لايوس بأن
سينجب ولدًا
اسمه (أوديب) ،
سيكون قاتلاً
للملك - أي
لأبيه _ ويهيمن
على العرش فما
كان من لايوس
إلا أن كاد
للصبي ، لكن
الصبي ظل في
حماية الآلهة
ليجري القدر
مجراه . ينشأ
ويترعرع حتى
يقتل أباه من
غير علم أنه هو
أبوه ، ثم يقتل
الوحش _ أبا
الهول _ ويتربع
على العرش
ويتزوج أمه _
الملكة _ .
لكن الوحش
الهائل عكر
عليهما الصفو ،
وأخبرهما
بالحقيقة
المذهلة فانتحرت
جوكاست وفقأ
أوديب عينيه .
هذه ملامح من
الأسطورة التي
استفاد منها
الشاعر ، استفاد
من سَداها
ولحمتها ، لكنه
لم يخضع لها
بكليتها ،
فالشاعر سيد
الموقف يصدر
الكراسة الأولى
طبقًا لقانون
الوحدات الثلاث
: الزمان
والمكان والنوع
.
يبتدىء الشاعر :
" الزمان
يفقد تتابعه
المكان
يختصر امتداده
وتتجمع
الشخوص في لحظة
واحدة
ومكان
واحد ( ص
18 )
إننا الآن
في قمة المأساة
"
أوديب في
الأسطورة
القديمة لا يثير
بك عطفًا إلا
عندما تقوده
أنتيغونا _ كان
أعمى... حتى
ابنة طه حسين
بكت لحاله أو
لحال أبيها _
ولكن " أوديب "
عقل منقذ ، بحار
(28) ، أمه
جوكاست " الأرض
" التي تلد يسوع
، دمها عطر ،
وتسقي اللوز
والزيتون
أجفانها . (ص26)
لايوس
الماضي الموبوء
بكل مخلفاته _
الواجمة _ يعترف
أن أوديب
سيستولد الأرض
الجديبة ، لكنه
ما يفتأ يوصي
بقتل أوديب
(ص25) ، أبو
الهول شرير في
لباس إمام ،
يحفظ الوصايا
العشر عن ظهر
قلب أو قلب ظهر
، ويفتك بأخوة
أوديب ويفعل
فيهم الأفاعيل .
(ص26)
والملك
كريون في حضن
جوكاست _ لم
يتغير شيء _ .
الشاعر متواجد
في كل شخصية ،
في العراف الذي
ينقل أخبار
الآلهة وإرادتها
يتدخل في دوره
ويقول :
" يا
نبيًا ... قد
صلبناه فمتنا
يوم صلبه _
. (ص24)
الشاعر يكاد
يكون (أوديب)...
فيقول :
" جئت من
قلب الفراغ المر
ومسحت الذل
عن كل
الجباه العربية
" (ص 31)
ألم يتــنـزى من
أعماق الشاعر
قبل أن نتبين
أن هذا كلام
أوديب :
" واسحبوني
قبل أن أولد من
أحشاء
جوكاست
الحبيبة
واقتلوني
يا عبيد الغرباء
_ " (ص 32)
الكراسة
الثانية (أغاني
حادي العيس) :
غزليات يحفظها
العشاق وهاك :
" صغيرة
أشتار من ثغرها
أزهار
لوز بعد لم يثمر
" ص37
فأنت أنثى
في ربيع الصبا
وقامة فرع وصدر
ثري " ص39
الغزل له طعمان
: طعم المزج
الجميل والتلاقي
بين ثغر الحبيبة
وثغر الأرض ،
شفتان تنفرجان
على قبلة يقبلها
عبد اللطيف ....
وحبال الدعاء
تربط بينه وبين
حبيبته ، هذا
الحبيب أول
الليل
" مر في
خاطره
تمدد زهوًا
.. وماج اختيالا
...
وتأبى
وسامته أن تنالا
" ص46
أما الحضور
فهو في الأرض
ساعتها يحضر طيف
حبيبته ويغفو
(ص47) .
الغزل الثاني
فيه طعم الجوع
الذي يكاد
يحرقنا ، وهي
التنويعات
الغزلية
والتوقيعات
الذاتية ، واقع
شعري يروده عبد
اللطيف مؤمنًا
أن الكلمة يجب
أن يقولها هو
كما يشاء زاخرة
بفنيتها
وجماليتها .
الكراسة الثالثة
(أغان على
الصليب) :
عذاب الشاعر ،
توتر ، عذابات ،
رؤى عظيمة
ممتزجة
بالانتماء ، بحث
وراء الماضي
والحاضر
والمستقبل ، نكء
الجروح ،
لاستطلاع مشارف
الآتي مستقبل
أبهج _ على
الأقل _ تسوغه
المعدة . يخطو
يقف ذاهلاً
صارخًا رافضًا
لاعنًا حتى
يستحضر المستقبل
. يقف ليستأصل
الأقزام والوحش
القابع خلف
الوجه...
والجدري الذي
سلط على عيني
البدوي ،
والعراف صاحب
اللحية _ التي
ينطبق عليها وصف
ابن
الرومي _ .
الكراسة
الرابعة (أوراق
بين القمة
والقاع) :
ورقتان فيهما
التهكم الساتيري
، اختصار
المسافة العربية
في أوراق تنضح
عظامًا نخرة
وزيفًا . الشاعر
يلم عمائم أهله
ويحرقها (ص135)
. يكتب قصيدة
النثر وهي كما
يقول مالارميه "
النثر لا يوجد ،
فحيث الجهد في
الأسلوب فهناك
النظم " ،
ويوافق حركات
النفس الغنائية
وتموجات وقفزات
الضمير - كما
قال بودلير
لصديقه ( أرسين
هومسي ) عندما
صدر له المجموعة
الشعرية .
ومع هذا
فالشاعر
بالكثافة والزخم
يتراوح بين
القمة والقاع ،
يخبط كطابة ،
يغترب مرة أخرى
تحت ضغوط
المجتمع
ومقاساته _
المقاسات تمامًا
مثل مقاييس
القصيدة :
بالمسطرة (ص143)
_ ، وفي اغتراب
ذاته يكاد يذعر
:
" وجهي
يغسله الخوف "
(135)
والذعر لا
يؤدي به دائمًا
إلى الانهيار ،
بل أحيانًا
يسمو للقمة ،
وفي كلتا
الحالتين يرتبط
التبسيط
والتكثيف في
تجارب إنسانية
حميمة تعززها
مدلولات فلسفية
وفكرية .
والديوان
برفض الواقع
بقدر ما يعانق
الحزن ، يغترب
ليتسامى ،
يقودنا في
رحلتنا
الطويلة... وذلك
بتعبئة أفكارنا
بفحوى الأشياء
وحقيقتها كما
يرى ييتس في
قيمة الفنون .
عبد اللطيف في
ديوانه منتم ولا
منتم كما تشاء ،
انتماؤه يعززه
لا انتمائية
للدجل والشعوذة
، ولا انتمائيته
يعززها انتماء
للأرض .
وفي صوته
بقايا نغمات
لشعراء آخرين
نلحظها لحظا
نزار : "
سيوفنا أطول من
قاماتنا "
(دفتر على
هوامش النكسة)..
عقل : "
الاقزام والسيوف
الطويلة "
(ص76)
درويش : "
عيونك شوكة في
القلب .
توجعني وأعبدها
" (عاشق
من فلسطين
ص5)
عقل : "
حضورك يا منيتي
مدية . رضيتك "
(ص 49)
نواف عبد حسن في
قصيدته ( وجوه
من رحلة التعب )
* يذكر الكلمات
التالية :
الوصايا العشر ،
الصمت ، التعب ،
الرحيل ....وهذه
التعابير في
قصيدة ( اللحظة
والمنفى ) ص68
للشاعر عقل ،
ولكن كل منهما
في واد إذ يقول
نواف :
" يبكون
على خطبة الإمام
في يوم الجمعة "
ويقول عقل :
" ورجمني
إمام المسجد في
خطبة الجمعة
" ص140
ولعل ذلك أيضًا
ملموس في الشعر
القديم :
بشار :
" كيف
بأمي إذا رأت
شفتي
أم كيف إن شاع
منك ذا الخبر *
عقل :
" ويلمس
واخجلي شفتي
أتعرف أمي
"
(ص47)
لا تتريب على
الشاعر ،
فالمعاني ملقاة
على قارعة
الطريق - كما
يقول نقادنا
القدامى .
شيء مغر في
ديوان عبد
اللطيف _ وهو
انتقاؤه العنوان
. فعنوان
القصيدة أجمل في
نظري من مضمونها
، العنوان فستان
ينتقيه لحبيبته
ويحسن انتقاءه
بذوق ، لا تكاد
تخطر حتى تشرئب
الأعناق ،
والقصيدة عنده
ملخص تركيزي
لقصائد سابقة ،
فيها تكرار
للذات بشكل أعمق
، وكل قصيدة
تهمس لي : أنا
أجسد تجربة عقل
.
الرحيل
ورائحة الارض
(ص124) :
قصيدة ترحل فيها
النفس من الأفق
المجهول ، تحمل
أبعادًا زمنية ،
طفولة شاعرية ،
وخيالاً أملاه
الهروب من
الواقع الذي
تشيخ فيه الشباب
.
الأصل
والصورة (ص89) :
الأصل مخلفات
صدئت تحاول أن
تفرض نفسها ،
والصورة تتهكم
وتنفعل .
خمس
أغنيات للضياع
ص129 :
يغنيها للجنس ،
والفراغ _
المفسدة _ ،
للجنس ثانية ،
للعلم الذي ليس
من ورائه طائل ،
وللشيخ المعمم .
يكاد يقنعنا في
حديثه عن العراف
أنه طيب :
" خلص
الزمنى وما ظلت
عقيم في النساء
" (83)
صعده درجة
درجة.... فكدت
أصدق إنسانيته ،
ثم ما لبث أن
أهوى به الى
القاع :
" كل
شيء فيك مات "
وغضب الشاعر على
( الشيوخ ) فيه
الحاد واع ومثقف
وفيه إيمان :
" لحية
الشيخ الطويلة
لا
يعري زيفها
المدهون إلا صوت
شاعر " ص138
يتهكم الشاعر
على التعلق
باللحم النسائي
والتهالك عليه ،
ثم ما يلبث أن
يقع في الشرك :
" ليس للحب
وجود
إنه محض
حكايا وأمان
هو فعل
الحب ص
118
الهوى
ساعات خطف
وانطفاء "
يتغاير هذا
الحب بالحب الذي
يكلفه غاليًا ،
هذا الحب نتيجة
التخاذل ليس هو
سببه على كل حال
، يدعوه السلطان
...ويسل من
عينيه خيط النور
، ويساعده في
ذلك أخوه ووالده
وجاره ،/ فكلهم
متألبون عليه...
يعلمه السلطان
أن حب ذويه
جريمة (ص85) ،
لذا تطل صور
الوهم والأقدام
الحافية والسيوف
الطويلة التي
يحملها الأقزام
فيقرر الشاعر
قائلاً:
" مخرج
الكلمة منفاها
وحد الملكوت "
(ص67)
الحزن هو الإطار
الذي أطر نفسية
الشاعر :
" لكنني
أحترف الأحزان
"
(ص72)
وحزنه كبرياء
نسمع منه :
" حزني
الكبير
ينزف في
دفاتري
(ص75)
حروف
كبرياء "
ولماذا هذا
الحزن الذي نحسه
قبل أن ينطق به
معترفـًا على
كرسي الشعر ؟
للإجابة
على هذا السؤال
سنتجول في
المدينة .
يرتاد المقهى
فيرى :
" من سداها
يولد
الأبطال وتنمو
المعجزات "
(ص78)
وحتى تتم فصول
التفاهة والخواء
دخلنا فإذا
الحديث :
" أنا
لولا القص غاب
كنت أرديتك
أجهزت عليك _
" (ص79)
هذه هي المادة
التي يصهر
الشاعر فيها
ذاته ، لأجلها
يصارع ويقاتل في
الخيال :
" همد
المقهى وظل
التبغ مصلوبا
وأعقاب
السجاير
جثث
محروقة الأوصال
" (ص79)
والشعر عند هذه
المادة خطايا
وكأنه يتفلسف ،
لذلك نجده يخاطب
نفسه في الوطن :
" أيها
الوطن المعلق
على الشفاه
كقربة
ماء
وتحت
البطون كاللبن
اللزج
لن أكتب
لجراحك البيض
قصيدة غزل
لأنني كنت
طفلاً حين شربوك
إبريقا
من القهوة
الباردة "
(ص144)
ومن خلال هذه
النظرة التي
يسميها البعض
يأسا أو بعض يأس
يتمثل له الشاعر
قبرًا :
الشاعر
يحلم بصوت يقطع
الصمت... وكذلك
فإن الشاعر
يحلم أن يقطع
الصمت ، وأن
يشرق نور ليحرق
الليل .....ولكن
من خلال محاسبة
الذات .
الحزن أحيانًا
يمتزج بشعور
التفاهة إزاء
الواقع :
" تورقت
ملامح الصغار
كأنما
الوجوه من ورق
" ص113
ورق ورق
....يكررها
الشاعر ليعرفنا
بالتمزق
والأشلاء في
مدينة " لا
تحفل بالغرباء
".
الورق
أحيانًا أغنية :
الكراسة الرابعة
سماها أوراق بين
القمة والقاع ،
والديوان
أغاني القمة
والقاع ،
إذن فالورقة
أغنية _ إذا
تساوت الكميتان
_ ولا عجب
فالقمة عنده
تظهر عهر السفح
الواطئ .
الشاعر
يبحث عن نفسه
كثيرًا ، يتفحص
وجوده خلال
الورق ، وحياة
لا توضع موضع
التأمل لا تستحق
أن تستمر كما
يقول سقراط .
وأخيرًا ،
أود لو أبدأ من
جديد :
القصيدة
الأولى _ الوصية
أولاً _ (ص9) لا
أملك أن أقول
عنها أكثر من
أنها زاخرة
بالصور الملهمة
كأنها قطعة _ يد
الله _ التي
أبدعها رودين ،
تحتاج إلى ذهن
متفتح ومتخيل
يستوعب ما فيها
حتى حجرتيها ،
تتبين لك خطوط
مأساوية وامتزاج
بين الماء
والنار يجمعهما
في يده .
كنت أرجو
أن تكون هذه
القصيدة خاتمة
تضاف إلى "
أوراق بين القمة
والقاع " ،
ويكون عنوانها
الوصية أخيرًا
...فما أروعها
وصية تكاد تكون
شرخًا في الرأس
بتلاوينها
وبتدليكها الخدر
الذي شل حواسنا
، كيف جرؤ عقل
أن يفتتح بها
الديوان ليلقمها
القارئ الذي
يسخر بمثل هذا
الشعر ، ويقول
أن أصحابه عجزة
ولا بد لهم من
نهاية .
ولا بد من نهاية
:
من تهنئة
الرسام سابا
الذي تعانقت
خطوطه مع كلمات
عقل .
انبثقت كلمات
عقل صافية أصيلة
، ثم رافقته
متوترة... وعمرت
كلماته بالرسوم
بقدر ما عمرت
خطوط الفنان
بالشعر .
_______________
* الشرق ،
السنة الأولى
، العدد 8 ص 15
.
* الأصبهاني
، الأغاني ج3 ص
178
|