د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

تلاحم الوجود والمعاني

ديوان أدمون شحادة

    ونستقبل كتابًا يحوي عواطف مكبوتة  ومضغوطة ، وجنونًا مسعورًا ، يلتقي معنى تلاحم الوجوه بسقوطها ، الحزن بالفرحة ، تتعاكس الصور في مرآة غير مستوية فنطل على أشكال جديدة تشفع لأدمون أن يدخل دائرة الشعراء ، وعلى أشكال أخرى جديدة تجعلنا نحن فيها الشعراء .

     يقول ريتشاردز في مقالته " معنى المعنى في الشعر الحديث " ** :

     " تجربة الشاعر مادة شعرية ، وتجربة المتذوق ما صار من هذه المادة شعرًا ، فالشعر كما هو غير مادته قبل الصيرورة، ومأمل المتذوق بالنفاذ إلى حدس الشاعر لإدراك مطلق تجربته في منابعها عند النظم محال يؤكده علم التحليل النفسي ، إذ يقرر أن أخص ما يميز ذواتنا ومن بينها ذوات الشعراء خصوصيتها الفريدة " .

     على ضوء هذا القول أدخل الكتاب لأصف طبيعة التخيل وفعله في عمليتي الخلق والتذوق ، لأستخلص التجربة من الأثر الفني ، لأتذوق الحالة الوجدانية الموصولة بإهابـه كما يقول ريتشاردز :

فاجأت القارئ بقولي إن أدمون متناقض ، فهل يعاب ؟

_ إن الإنسان المعاصر يقع بين حدود الرفض والقبول وتضارب المفاهيم للمسمى الواحد ، فلماذا لا يكون جنونه مسعورًا ما دام عقله منظورًا ؟

قلت لأدمون يوم أن نقدت قصيدته " هكذا " وفي زاويتي النقدية " قصيدة وشاعر " *** :

     " تفاعلت الظلال والألوان والنسب والأبعاد فأثارت إحساسًا معينًا يريد الفنان إثارته ، وعلى المتلقي أن ينعم النظر ويضاعف الجهد حتى يتذوق الشعر ، فغموض أدمون ليس بعيدًا عن طبيعة واقعنا ، ليس لغزًا وأحجية ، وإنما هو متصل بنا بوشيجة "     .....وأراني أضيف :

الموضوع عند أدمون نجمة غريبة في مدينة مضاءة بالكهرباء لا يلجأ إليها إلا كل متدبر .

يقول أدمون :

     " ملعون هذا اللامعقول ...

     فالصورة داخل مرآة بغرائزنا

     والكل يفتش عن تفسير "    (تلاحم ص42)

 

    فمنذ أن بزغت شمس فرويد والرموز تفسر وتحلل . فما الذي عطل سفينة أدمون ؟ (تلاحم 74) ؟ وما الذي أفقده أحاسيسه بالعظمة ؟ وما الذي دعاه يجلد نفسه عبر الزمن ... ويقول :

     " وهناك من ينافسني بالجنون

     يسرق تعابيري المسعورة

     يستخرج نسخة من وجودي "     (تلاحم 74)

     أتراه الزمن أم السعادة ؟ أتراه حائط الضباب أم اللاشيء ؟

     ومهما كانت الإجابة فـإنه ليس بعيدًا عن المحور ، أو لا بد له أن يصب في نفس النهر ، ولكنه يتشعب كثيرًا وكالنيل أبيض وأزرق ينحدر _ وكنا نظنـه يعلو للبحر المتوسط _ .

     الزمن : الزمان يمتد فوق طاقات الشاعر _ وان كان سير العقارب طبيعيًا _ إلا أنه يشعر بالضيق لأنه في صراع مع الزمن ، والزمن كما يقول عنه :

     " يحرق الأصنام والذكرى

     وأحلام تباع "           (تلاحم ص25)

     فنحن نلمح هنا طبيعة الزمن الذي يحوي المتناقضات : الأصنام كتعبير عن الشرور ، والذكرى كتعبير عما هو جميل

،  والأحلام التي تباع فيها (أحلام ومع ذلك تباع) خير وشر معًا .

     من هنا كانت الأحداث تجتاح الشاعر كالطاغوت ، فيغتاظ وتتجول ملايين الخيالات في أفكاره ،  لأنه يخاف الشك ويقول : إن اندفاع الزمن لا يرحم ،  وعبر الزمن تسرد وتسرد حكاية الظل والشعاع :

     " من على التل من الدير القديم

     من وراء الظل جاءت

     شبه عذراء "        (تلاحم ص9)

     حكاية تستقي بعض جذورها من ماء الحياة ، لكنها تنعكس في الزمن أو في مرآة الزمن بصورة الديدان التي تأكل الزرع ..وصورة الأفاعي واختفاء القمر وصورة البراكين . أما الزمن فهو كفيل أن يبقي الجذع في مكانه وهذا إيجاب .

     السعادة : وماذا يفتش في الزمن ؟ إنه يفتش عن السعادة التي كانت يوم أن كان عاشقًا للنور ، يؤمن أنها ستعود ولقد هلت حقًا ذات مرة :

     " حين جاءت السعادة لننتشي

     نام الجوع في العراء متلفعًا بالذئاب "      (تلاحم ص80)

فالشاعر خذل نفسه حين نادته السعادة ليل القدر (تلاحم 75) لكنه مؤمن :

     " لم لا أقول صراحة إني أحب

     حتى ولو شوكًا وصخرًا أنبتوا في كل درب

     فغلالة النسيان تحترم العهود

     وسعادتي

     أغدًا تعود ؟ "        (تلاحم 49)

يتساءل الشاعر عن " قصور السعادة خلف المنال بأرض النجوم " (تلاحم 32) ، ويقول للتي منحته سعادة الأيام _ وأهداها الديوان _ :

     " فانتظري سعادتي

     يا حلوتي "        (تلاحم 31)

وسواء تحققت سعادته أم لا فنحن لن نشقى بعناء التفسير .

     وماذا فعلت المرآة عندما جلس خلفها وقاس حياته " بعرض السنين " (تلاحم 35) كما طلب ابن سينا ؟

لقد كان لها أثر في نفسه ، راقب خيط القدر ، وناجى الحنين ، حلم بالحب والأنسام والنور الذي يطل من بين الغيوم رغم أنف الريح .

     حائط الضباب : ونصل إلى حائط الضباب (تلاحم 29) الذي بناه البياتي على أرض إيليوت ،  وأراد أن ينقض فأقامه أكثر من شاعر حتى وصل المطاف إلى أدمون ،  فأعطاه بعدًا ضبابيًا يقف أمامه بلا حول ولا طول منتظرًا  إيليا الذي سيحكي قصة البعث الجديد ..... أما الضباب فهو كذلك في تناقض :

     " وتأوهت شفة الرضيع

     في نشوة خلف الضباب "      (تلاحم ص28)

وما دمنا في " عصر المرايا " ( تلاحم ص 32 ) فليكن لمنظور رأسك رأسين وأسنانك أنت بها أوصف .

حائط الضباب والمجذاف المكسور خلفا وراءهما فراغًا وعذابًا ... وترجمة البحر أمامكم والعدو وراءكم في شعر أدمون :

      " الحائط أمامكم والفراغ والعذاب خلفكم "        (تلاحم 29)

     اللاشيء : في الديوان منه الكثير ، تغربل وتنقي ، وتعجن وتخبز ، وإذا بهذه اللا أشياء تتشيأ ، تفتتها مرة أخرى فتلد خطيئة ، نتلقفها لعلنا نجد فيها حلاوة التجربة فلا نجد إلا طعم الملوحة .

     المحور والصليب : لماذا تتوالد الأتربة في عينيه ؟ لماذا أنغامه حزينة ؟ (تلاحم 59)

 لو سأل ذلك فقط لكفى .

الإيقاع الفكري متواجد رغم الأغطية الكثيرة والقناعات المبهرجة من مثل :

     " حلقوا شعر الهيبي

     وأذاع التلفاز الأهبل "     (تلاحم ص 14)

ونرى أن شعره شعاع في طريق العابرين حتى ولو لم يصرح ولم يبن :

     " إنما الشعر غناء الآمنين

     وصلاة العاشقين

     وشعاع في طريق العابرين "        (تلاحم ص10)

فما رأي أدمون إذا قلت أنا _ والشعر لفاروق مواسي _ :

     إنما الشعر لهيب الغاضبين

     ونسيج الثائرين

     وشموس في دروب السائرين

     أظن أن كلامي وكلامك لا دفء فيهما ولا تجربة صادقة ، وشاعر كأدمون يوقن أن التقريريات ما عادت تجدي في لحمة الشعر ، فكيف بالخطابية ؟

     " فانشروا في الدرب أزهار الجمال

     ثم صلوا في خشوع وابتهال "      (تلاحم 11)

وليس صعبًا علينا أن نصدر عشرات الجمل باستبدال كلمة مكان أخرى..... وهكذا.

وأخيرا علي أن أشير الى توقيع جديد لصاحب الدرج ... يقول ميشيل :

 " أعد الأبجدية وأرتبها على الرفوف " *

ويقول أدمون :       " محروثة جباهنا بالخطايا

                                 مرتبة بالأبجدية "      (تلاحم 54)

والشارب الأصفر الذي يتثاءب عند الأول (الدرج 12) هو _ كما يبدو لي _ الكستنائي عند الثاني (تلاحم ص63) ويبقى ميشيل أعمق ، مثلا :

     " يا فجر الغد المتربص

     ماذا رسمت على شفتيها "    (الدرج... 103)

فهنا نلمح الصور عامرة بالإيمان أكثر مما أراد أدمون في قوله :

     " هنالك دوما غد في الطريق "     (تلاحم.... 35)

ولا بد لي كذلك أن أعترض على ما ذكر* * من تأثر الشاعر بقراءات قديمة وحديثة ، اللهم إلا هذا البصيص الذي ألمعت إليه ، وربما كانت هناك أضواء لم أهتد إليها ، ونحن لا نستطيع أن نضعه في نمط شعري أو إطار محدد لصعوبة تحديد شعره _ إلا حدسًا _.

 وأملنا وطيد أن يستفيد الشاعر حقًا من قراءات قديمة وحديثة ليكون بهذا أكثر نضجًا ووعيًا .. وما ذلك عليه بعزيز .

 

______________

* أدمون شحادة ، تلاحم الوجوه والمعاني ، دار الشرق-  1973

** منح خوري _ الشعر بين نقاد ثلاثة ، (دار الثقافة _ بيروت _ 1965) ص160

*** الأنباء 2 -7 -1971 ص4 (وقد عالجت ضمن هذه الزاوية الأسبوعية ست عشرة قصيدة لشعراء محليين وسنختار نماذج منها في آخر هذا الكتاب).

* الدرج المؤدي الى أغوارنا ص 65

** مثلا ما ذكر على غلاف كتاب أدمون

 

 

نشرت في الملحق الأدبي-الانباء 25 – 5 – 1973

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام