|
ونستقبل
كتابًا يحوي
عواطف مكبوتة
ومضغوطة ،
وجنونًا مسعورًا
، يلتقي معنى
تلاحم الوجوه
بسقوطها ، الحزن
بالفرحة ،
تتعاكس الصور في
مرآة غير مستوية
فنطل على أشكال
جديدة تشفع
لأدمون أن يدخل
دائرة الشعراء ،
وعلى أشكال أخرى
جديدة تجعلنا
نحن فيها
الشعراء .
يقول
ريتشاردز في
مقالته " معنى
المعنى في الشعر
الحديث " ** :
" تجربة
الشاعر مادة
شعرية ، وتجربة
المتذوق ما صار
من هذه المادة
شعرًا ، فالشعر
كما هو غير
مادته قبل
الصيرورة، ومأمل
المتذوق بالنفاذ
إلى حدس الشاعر
لإدراك مطلق
تجربته في
منابعها عند
النظم محال
يؤكده علم
التحليل النفسي
، إذ يقرر أن
أخص ما يميز
ذواتنا ومن
بينها ذوات
الشعراء
خصوصيتها
الفريدة " .
على ضوء
هذا القول أدخل
الكتاب لأصف
طبيعة التخيل
وفعله في عمليتي
الخلق والتذوق ،
لأستخلص التجربة
من الأثر الفني
، لأتذوق الحالة
الوجدانية
الموصولة
بإهابـه كما
يقول ريتشاردز :
فاجأت القارئ
بقولي إن أدمون
متناقض ، فهل
يعاب ؟
_ إن الإنسان
المعاصر يقع بين
حدود الرفض
والقبول وتضارب
المفاهيم للمسمى
الواحد ، فلماذا
لا يكون جنونه
مسعورًا ما دام
عقله منظورًا ؟
قلت لأدمون يوم
أن نقدت قصيدته
" هكذا " وفي
زاويتي النقدية
" قصيدة وشاعر "
*** :
" تفاعلت
الظلال والألوان
والنسب والأبعاد
فأثارت إحساسًا
معينًا يريد
الفنان إثارته ،
وعلى المتلقي أن
ينعم النظر
ويضاعف الجهد
حتى يتذوق الشعر
، فغموض أدمون
ليس بعيدًا عن
طبيعة واقعنا ،
ليس لغزًا
وأحجية ، وإنما
هو متصل بنا
بوشيجة "
.....وأراني
أضيف :
الموضوع عند
أدمون نجمة
غريبة في مدينة
مضاءة بالكهرباء
لا يلجأ إليها
إلا كل متدبر .
يقول أدمون :
" ملعون هذا
اللامعقول ...
فالصورة
داخل مرآة
بغرائزنا
والكل يفتش
عن تفسير "
(تلاحم ص42)
فمنذ أن
بزغت شمس فرويد
والرموز تفسر
وتحلل . فما
الذي عطل سفينة
أدمون ؟ (تلاحم
74) ؟ وما الذي
أفقده أحاسيسه
بالعظمة ؟ وما
الذي دعاه يجلد
نفسه عبر الزمن
... ويقول :
" وهناك من
ينافسني بالجنون
يسرق
تعابيري
المسعورة
يستخرج
نسخة من وجودي
" (تلاحم
74)
أتراه
الزمن أم
السعادة ؟ أتراه
حائط الضباب أم
اللاشيء ؟
ومهما كانت
الإجابة فـإنه
ليس بعيدًا عن
المحور ، أو لا
بد له أن يصب في
نفس النهر ،
ولكنه يتشعب
كثيرًا وكالنيل
أبيض وأزرق
ينحدر _ وكنا
نظنـه يعلو
للبحر المتوسط _
.
الزمن :
الزمان يمتد فوق
طاقات الشاعر _
وان كان سير
العقارب طبيعيًا
_ إلا أنه يشعر
بالضيق لأنه في
صراع مع الزمن ،
والزمن كما يقول
عنه :
" يحرق
الأصنام والذكرى
وأحلام
تباع
"
(تلاحم ص25)
فنحن نلمح
هنا طبيعة الزمن
الذي يحوي
المتناقضات :
الأصنام كتعبير
عن الشرور ،
والذكرى كتعبير
عما هو جميل
، والأحلام
التي تباع فيها
(أحلام ومع ذلك
تباع) خير وشر
معًا .
من هنا
كانت الأحداث
تجتاح الشاعر
كالطاغوت ،
فيغتاظ وتتجول
ملايين الخيالات
في أفكاره ،
لأنه يخاف الشك
ويقول : إن
اندفاع الزمن لا
يرحم ، وعبر
الزمن تسرد
وتسرد حكاية
الظل والشعاع :
" من على التل
من الدير القديم
من وراء
الظل جاءت
شبه عذراء
" (تلاحم
ص9)
حكاية
تستقي بعض
جذورها من ماء
الحياة ، لكنها
تنعكس في الزمن
أو في مرآة
الزمن بصورة
الديدان التي
تأكل الزرع
..وصورة الأفاعي
واختفاء القمر
وصورة البراكين
. أما الزمن فهو
كفيل أن يبقي
الجذع في مكانه
وهذا إيجاب .
السعادة : وماذا
يفتش في الزمن ؟
إنه يفتش عن
السعادة التي
كانت يوم أن كان
عاشقًا للنور ،
يؤمن أنها ستعود
ولقد هلت حقًا
ذات مرة :
" حين جاءت
السعادة لننتشي
نام الجوع
في العراء
متلفعًا بالذئاب
" (تلاحم
ص80)
فالشاعر خذل
نفسه حين نادته
السعادة ليل
القدر (تلاحم
75) لكنه مؤمن :
" لم لا أقول
صراحة إني أحب
حتى ولو
شوكًا وصخرًا
أنبتوا في كل
درب
فغلالة
النسيان تحترم
العهود
وسعادتي
أغدًا تعود
؟ "
(تلاحم 49)
يتساءل الشاعر
عن " قصور
السعادة خلف
المنال بأرض
النجوم " (تلاحم
32) ، ويقول
للتي منحته
سعادة الأيام _
وأهداها الديوان
_ :
"
فانتظري سعادتي
يا حلوتي
" (تلاحم
31)
وسواء تحققت
سعادته أم لا
فنحن لن نشقى
بعناء التفسير .
وماذا فعلت
المرآة عندما
جلس خلفها وقاس
حياته " بعرض
السنين " (تلاحم
35) كما طلب ابن
سينا ؟
لقد كان لها أثر
في نفسه ، راقب
خيط القدر ،
وناجى الحنين ،
حلم بالحب
والأنسام والنور
الذي يطل من بين
الغيوم رغم أنف
الريح .
حائط الضباب : ونصل
إلى حائط الضباب
(تلاحم 29) الذي
بناه البياتي
على أرض إيليوت
، وأراد أن
ينقض فأقامه
أكثر من شاعر
حتى وصل المطاف
إلى أدمون ،
فأعطاه بعدًا
ضبابيًا يقف
أمامه بلا حول
ولا طول منتظرًا
إيليا الذي
سيحكي قصة البعث
الجديد .....
أما الضباب فهو
كذلك في تناقض :
" وتأوهت
شفة الرضيع
في نشوة
خلف الضباب
" (تلاحم
ص28)
وما دمنا في "
عصر المرايا " (
تلاحم ص
32 ) فليكن
لمنظور رأسك
رأسين وأسنانك
أنت بها أوصف .
حائط الضباب
والمجذاف
المكسور خلفا
وراءهما فراغًا
وعذابًا ...
وترجمة البحر
أمامكم والعدو
وراءكم في شعر
أدمون :
" الحائط
أمامكم والفراغ
والعذاب خلفكم
" (تلاحم
29)
اللاشيء : في
الديوان منه
الكثير ، تغربل
وتنقي ، وتعجن
وتخبز ، وإذا
بهذه اللا أشياء
تتشيأ ، تفتتها
مرة أخرى فتلد
خطيئة ، نتلقفها
لعلنا نجد فيها
حلاوة التجربة
فلا نجد إلا طعم
الملوحة .
المحور
والصليب :
لماذا تتوالد
الأتربة في
عينيه ؟ لماذا
أنغامه حزينة ؟
(تلاحم
59)
لو سأل ذلك فقط
لكفى .
الإيقاع الفكري
متواجد رغم
الأغطية الكثيرة
والقناعات
المبهرجة من مثل
:
" حلقوا
شعر الهيبي
وأذاع
التلفاز الأهبل
" (تلاحم ص
14)
ونرى أن شعره
شعاع في طريق
العابرين حتى
ولو لم يصرح ولم
يبن :
" إنما الشعر
غناء الآمنين
وصلاة
العاشقين
وشعاع في
طريق العابرين
" (تلاحم
ص10)
فما رأي أدمون
إذا قلت أنا _
والشعر لفاروق
مواسي _ :
إنما الشعر
لهيب الغاضبين
ونسيج
الثائرين
وشموس في
دروب السائرين
أظن أن
كلامي وكلامك لا
دفء فيهما ولا
تجربة صادقة ،
وشاعر كأدمون
يوقن أن
التقريريات ما
عادت تجدي في
لحمة الشعر ،
فكيف بالخطابية
؟
" فانشروا
في الدرب أزهار
الجمال
ثم صلوا في
خشوع وابتهال
" (تلاحم
11)
وليس صعبًا
علينا أن نصدر
عشرات الجمل
باستبدال كلمة
مكان أخرى.....
وهكذا.
وأخيرا علي أن
أشير الى توقيع
جديد لصاحب
الدرج ... يقول
ميشيل :
" أعد الأبجدية
وأرتبها على
الرفوف " *
ويقول أدمون :
"
محروثة جباهنا
بالخطايا
مرتبة
بالأبجدية
" (تلاحم
54)
والشارب الأصفر
الذي يتثاءب عند
الأول (الدرج
12) هو _ كما
يبدو لي _
الكستنائي عند
الثاني (تلاحم
ص63) ويبقى
ميشيل أعمق ،
مثلا :
" يا فجر
الغد المتربص
ماذا رسمت
على شفتيها "
(الدرج... 103)
فهنا نلمح الصور
عامرة بالإيمان
أكثر مما أراد
أدمون في قوله :
" هنالك دوما غد
في الطريق "
(تلاحم.... 35)
ولا بد لي كذلك
أن أعترض على ما
ذكر* * من تأثر
الشاعر بقراءات
قديمة وحديثة ،
اللهم إلا هذا
البصيص الذي
ألمعت إليه ،
وربما كانت هناك
أضواء لم أهتد
إليها ، ونحن لا
نستطيع أن نضعه
في نمط شعري أو
إطار محدد
لصعوبة تحديد
شعره _ إلا
حدسًا _.
وأملنا وطيد أن
يستفيد الشاعر
حقًا من قراءات
قديمة وحديثة
ليكون بهذا أكثر
نضجًا ووعيًا ..
وما ذلك عليه
بعزيز .
______________
* أدمون
شحادة ، تلاحم
الوجوه والمعاني
، دار الشرق-
1973
** منح خوري
_ الشعر بين
نقاد ثلاثة ،
(دار الثقافة _
بيروت _ 1965)
ص160
*** الأنباء
2 -7 -1971 ص4
(وقد عالجت ضمن
هذه الزاوية
الأسبوعية ست
عشرة قصيدة
لشعراء محليين
وسنختار نماذج
منها في آخر هذا
الكتاب).
* الدرج
المؤدي الى
أغوارنا ص 65
** مثلا ما ذكر
على غلاف كتاب
أدمون
|