د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

ميشيل حداد : الشيخ الطفل

     ميشيل حداد وجه حاد في شعرنا ، طالعنا منذ حبونا ، وأمسك بيد ناشئتنا وهو يحنو ، شاعر مؤمن بطريقه وبأحاسيسه ، فيه بساطة وألفة تستشفها عند لقياه ، فتعجب كيف يكتب . هو يسير في طريق جديد فيه إبداع ،  وفيه اتساع ، يمسك بيد الكلمة يقرنها ،  ويتصرف مجازًا واستعارة .

     أما الفكرة فأنت في خيرة من أمرك ، أنت مالك النهر تجعل رافده في أي منحى وفي أي مصب . لك أن تقول إنه ضياع الإنسان ، ولك أن تقول  إنه تواتر الأحزان ، ولكن ما لنا لا نكون موضوعيين ونقرأ دواوينه الأربعة الأولى حتى نحاول جمع الخيوط ، فماذا نجد ؟

     _ التناقض بين الوضوح والإبهام :

     وهذا ينعكس جليًا في غموض " الدرج المؤدي الى أغوارنا " وفي بساطة " أن تسأل " . وبين الغموض والبساطة في هذين الديوانين تظهر إنسانية ميشيل بتناقضها : بعمقها وسطحيتها ، بمكرها وسذاجتها . وهو في كل منهما يظهر باللباسين ، وحتى في القصيدة الواحدة نراه يلبس لنا الملابس الشفافة تارة فيقول :

     على كاهلي عبء من التعابير

     لو أخطو دون إغماء

     لنقضت المدينة من أساسها

     وفتحت في سياج الغابة بابا للفرج      ( الدرج ص22)

ثم ما يلبث أن يرتدي لباسًا كثيفًا :

     أنا ما زلت واقفًا على قدمي

     أراقب النمل والنعال والكبرياء

     وحين أرتطم بفراشة صغيرة

     تفتح جناحيها لاحتضاني

     أقشعر وأخبو

ولا أدري إن كانت هذه القشعريرة تسبب له إغماء ، وبالتالي لا يفتح بابًا للفرج .

     ومثال آخر في ديوانه " أن تسأل " :

     " القمر التارك أثره على البحيرة

     يحدج الأضواء المتطاولة

     ما أجهله           

     لو يعلم كم من راية وراءها "    ( أن تسأل ص12)

     فلا يدعنا الشاعر نستمتع بفهم القصيدة كما نرتئي ، وإذا به يلقي صخورًا تعوقنا في الاستيعاب ، خاصة وهو  يتحدث عن المفرقعات ومدافع الزينة .

وبينما الشاعر يقول :

    " أن تسأل

     لوحة وقصيدة

     تسأل الله عن الكون

     تناقضه

     بين ألم وذروة  "   ( أن.... ص55)

وإذا بهذا الشاعر نفسه يقول في مكان آخر :

     " أما الآن

     وصاحبي الملحن يراقب الموقد وما فوقه

     أتذكر قلاية الزيت تضج بكتحة البصل

     ابتداء من المجدرة حتى العدس المجروش "   ( أن..... ص40)

     وأنت حين تقرأ تعابير جميلة وأوصافًا متساوقة وإذا به يلقي عليك _ كما أشرنا _ ما يثبط استرسالك :

     في قصيدة " أعصاب مسافرة " يقول الشاعر :

     " تتحدث عن امرأة معطاء

     عن دفء يكحل العين

     عن ماعز يلبس الحداد

     عن جيل يشتهي ويعيش "   ( الدرج ص88)

      ولا أدري سبب إقحام الماعز على أشجاره ، وإذا تيسر فهناك حيوانات أخرى لها حظ :

      " أعصابه تسافر جاحظة

      تبحث عن امرأة تمشط الشعر

     تقبل أقدام السحالي

     تغسل أذناب الثعابين "       ( الدرج ص90)

     ومن أراد أن يطالع قصائد " النسر والطوفان " و " أنا والأيدي والجيوب " و " أيام الشوق العريض " في " الدرج " فسيرى فيضًا من الإبهام يشله وسطها غيض من الإفهام .

 

مضامين شعره :

 

     السؤال المطروح أولا هل يجب أن يكون للقصيدة مضمون ؟

 وعندي أن المضمون هو نَفَس القصيدة وهو بقاؤها ، وإن تعسر علينا فهمها فعلى الأقل أن نتعايش مع المقدمة أو النتيجة .

     ولو بحثت عن الذات العربية والإنسان الفلسطيني في شعر ميشيل لوجدت له صورًا باهتة هنا وهناك ، وصورًا معتمة بضبابية مكثفة ، فهو يقول :

     " لو أخطو دون إغماء

     لنقضت المدينة من أساسها

     وفتحت في سياج الغابة بابًا للفرج "  ( الدرج ص23)

" والغابة " يمكن أن تكون رمزًا لمرموزات كثيرة . ومثال آخر :

     " افتحوا رقعة الخيام الواسعة

     في أباريقها عظام هشة

     تقاسي آلام الصيرورة

     تفقأ عين المجوس السحرة

     تربط على ناقوس الكنيسة

     حرزًا من الدم "        ( الدرج ص24)

     وخيام اللاجئين يمكن أن يقرأها القارئ بالتشديد ( الخيّام : الشاعر الصوفي ) بدليل الكلمة أباريق ، ثم إن إدخال المجوس السحرة وناقوس الكنيسة يبعدان القارئ عن فهم ما عناه الشاعر - وهو عذاب اللاجئين .

....  ....

     وقضية السلم والحرب تناولها كثيرًا ، ففي الحرب يقول :

     " أحسست بأني في قبضة جني أرعن "      ( أن ... 69)

وبرغم أنهم شرّقوا العين فهو يدعو ويؤمن :

     ... عصفور الحب

     ليرفرف فوق السلم

     ويعم الحب قلوب الناس "    ( أن ... 104)

فالحرب هي :

     " ببساطة كل الأميين

     كل الأطفال ، كل الجدات ذوات التسعين

     تشويه تقتيل ودمار "         ( أن 31)

وشاعرنا ينتظر دعوة الأرض الملحة ينداح عبيرها ( أن ...46 )  ) بمازوكية تجعله يستقبل الشقاء والحزن K  فهو يرى أن الحياة :

     " رحلة التراب بلا قارب "       ( الدرج 62)

     " البيت مليء بالفراغ بالطعام المجتر "       ( الدرج 42)

وهو يقول :

     " عرفت في أسفل السلم بابًا من السلاسل

     أريد أن يظل معلقًا في وجهي "      ( الدرج 42)

وبرغم هذا الهباء ( الدرج 111) يقول مكرزًا :

     " طوبى للإنسان في كبر محنته "        ( الدرج 29)

ولنتصور معا قصة العذاب عنده حيث يقول :

     " على ساق متلكئة لهث جسدي

     عزفت الجزع والتوتر "         ( الدرج 80)

.... ....

     إن مواقف ميشيل الإنسانية تظهر ضعيفة أكثر منها متحدية ، وكأنه طفل شاعري ، ونظرة في ديوانه ( أن تسأل ) تجد للأطفال دورًا مفاجئًا ، فهو بكثرة يحن إليهم وإلى الصبا ، وهو يعترف :

     " طفولة روحي "       ( أن  ... 80)

     " أفتح قلبي بكل براءة طفل "    ( أن.. 70)

وهو يخاطب الأطفال :

     " يا أحبتي الصغار

     وصدري المفتوح على السجية "     ( أن... 39)

     وهو عندما يلهو في رحابة أطفال الدنيا ينسى تجاعيده وشيبه ( أن .. 45) ، فالأطفال والزهور وبسمات العذارى يضعها الشاعر في مصاف واحد :

     " فلكل طفل وجهه صغير

     وطفلة نحيلة القوام

     أحببته أحببتها

     كتبت فيهما قصائدي

     لأجل أن يشرق الابتسام

     في وجهيهما مكللا بالغار "        ( أن ... 46)

     وبطفولة ميشيل وحبه للأطفال تظهر إنسانيته الرائعة ،  فهو لا يميز بين طفل وطفل :

     " والآن أتذكر أتذكر

     أن العالم زينته الأطفال

     صغار البشرية

     في السلم أحب الأطفال

     في الحرب أتمنى لو أجعل صدري ملجأهم "     ( أن ... 32)

وتستبد به كلمة " صبا " تشده إلى التفاؤل :

     " وما زالت ألحان الصبا

     تتشبث بنـزواتي "      ( أن... 87)

     " وأحس بعطر الصبا "    ( أن... 80)

     وقصيدة " صبا " ( أن ... ص79) تعبير عن ذلك التفاؤل . ومقابل وضوح الحركة ( الموتيف ) في الأطفال نرى غموضها في ( موتيف ) الأوراق في ديوانه " ألف ليلة عصرية " .

     تتكرر كلمة " الأوراق " عند الشاعر بشكل لا نستطيع النفاذ إلى جوهر المعنى ، فالأوراق " هاربة مع كل ريح "

( ألف... 22) ، وهو يرى الأوراق المتساقطة ترحب بالطيور المهاجرة ( ألف... 30) وهو يخاطبها :

     " أيتها الأوراق المتردية لن يتفتق ذهننا على رد غبارك "              ( ألف... 111)

ثم يقول :

     " نجمع أوراقنا التي مضت "              ( ألف.... 27)

     " عزاء أيتها الأوراق سألف بك حذائي "           ( ألف... 18)

     ولا حاجة لاستقصاء كل مواضع الكلمة فهي عنده أشياء مبعثرة متناقضة ودلالات مختلفة ، ولا أرى بداً من الاستشهاد بشعره حيث يقول :

     " كيما أبرم مع الكلمة معاهدة زائفة

     تطير مع الأوراق الهاربة مع الريح "        ( ألف... 22)

....  ....

     وما دمنا في الحديث عن سفر الأوراق فلماذا لا نشير إلى فكرة السفر عند صاحبها :

     يطالعنا ميشيل في ديوانه " أن تسأل " بوصف سفره في قصائد " السفر في رحلات " (ص90) ، " في الطريق "

(ص68) " الى أن نصل " (ص26) ، " ذكرى " (ص22) وغيرها ، وهو يقول على الغلاف مبالغًا :

 " تحدج كلماتي حتى السفر " .

ونسأل بعدها هل هناك انتماء للشاعر ؟

     الواقع أن الشاعر لا يكاد ينتمي بمثابرة حتى لموضوع الإنسان ، فهو آنًـًا يصف الحلم والطفولة، وآنـًا يصف التمزق والمعاناة ، هو شاعر يسجل ولا يسبق . ولا يمكننا في وقت تعتز به الأرض بدحر الشر _ وقد تغيرت نظراتنا _ ...بعد كل هذا يجيء صاحبنا بطفولته ليقول :

     " أجر وجهي إلى المرآة

     فأراه ضمن انتماء حائر "      ( أن... 21)

     إن ميشيل في حساب المجابهات له رقم ،  ويدخل في قوائم وعود الأنبياء ، وليس كما ظن . ولماذا نعتب على الشاعر _ جامع التناقضات في الذات _ وهو أمام كرسي الاعتراف :

     " فأنا حزين وفرح

     أيضًا

     لأني يا أحبائي

     عرفتكم قليلا

     ولم أكن بينكم إلا إنسانا    

     بضعفه الموشى

     ببشريته الخاطئة "    ( أن ...92)

     وعلى العموم فنحن لا نكاد نعثر على ثقافة فلسفية أو اطلاع عميق مستبد ، ولا نكاد نتبين أثرًا لفكرة سارت معه وواكبته طويلا .

 

     الشكلية عند ميشيل :

 

 في الدواوين الأربعة نجد أوصافًا لا نستطيع تبينها ، ولا نملك الأدوات التي نحكم بها على أن الشاعر اقتسر أو اعتسف ، وإنما نستطيع أن نحكم أن هناك أشياء غير مفهومة _ وهذا طبيعي _ فمن منا يستطيع النفاذ إلى جوهر الآخر كليًا واستبطان ذاته ؟

     لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراض على طريقة الشاعر في تقسيم كل ديوان إلى أبواب ، وكل باب يحتوي على بضع قصائد ، وكأن هذا التقسيم جرى وفق مبدأ معين ، فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت قصيدة " على انتظار " في ديوان ( أن تسأل ) ضمن قصائد " ليل السماح " ، والسؤال الذي نسأله :

     لماذا لا تكون هذه القصيدة ضمن قصائد " في انتظار المد " مثلا ؟

 إنني أرى في هذه الطريقة محاولة للحصر والضغط على توجيه القصيدة .

     أما الوزن الشعري فهو أمر ثانوي عند الشاعر دعا في أكثر من مقال إلى عدم تقديسه ،  بل نبذه وطرحه ، وحبذا لو كانت هذه الدعوة من شاعر أتقن العروض حين قدم لنا كتابه " اقتراب الساعات والأميال " الذي تعمده أن يكون من الشعر الحر فوقع أكثر من كسر لم يجبر :

     " ورغباتي لست تمنعين

     ونزواتي لست تغسلين "      ( اقتراب.. 88)

     " في زرقة السراب أغرقيني "  ( اقتراب.. 84)

     " لكنما الآمال يا رفيقي

      كظلمات الغاب "     ( اقتراب.. 79)          وغيرها كثير *

وقد سمحت لنفسي أن آخذ على _ الشاعر هذا المأخذ في هذا الديوان بالذات لأنه أطل علينا مستعرضًا عروضه .

     ومن الملاحظات اللغوية نشير إلى تكرر الحرف عنده بصورة تلقائية ،  كتكرار القاف في قصيدته " الهروب " ( أن تسأل 7 ) ، وقراءة أخرى للقصيدة تريك جمال القاف وإيقاعها ، وكم بالحري وهي رد فعل على لكنة الألسنة السائحة التي " تغطي أصالة القاف النصراوية " .

 

     ويكرر الشاعر استعمال كلمات انفعالية على غرار طوبى ، ويحي ، ويلي ، كما يكثر في ديوانه" ألف ليلة عصرية" من المصدر المجموع : تمخضات ، تطلعات ، انحباسات ، كما يستعمل " حتى " الغائية بصورة جديدة ، وخاصة في ديوانه " أن تسأل " : " حتى المطر " ( أن... 25)

     " حتى الدمع "               ( أن...47)

     " حتى السفر "               ( أن... 48)

     فشرقنا مليء بالسمرة

     حتى الكرامة

     حتى الرغيف

     حتى الجرح                 ( أن... 88)

     وفي ديوانه الأول أشار البروفيسور موريه إلى أن ميشيل لم يواكب محاولة مدرسة " شعر " أن يطعم الفصحى بمفردات مثل أل الطائية أو الموصولة ( الدرج.. ص142) وإذا بشاعرنا يحفظ الوصية ، ويستعملها في ديوانه " ألف ليلة عصرية " فيقول :

     رغم الليالي التكتفني                  ( ألف... 58)

     الجواب اليكون مع القوي            ( ألف... 67)

     أما الصفات والإضافات فهي عند الشاعر تعلو وتهبط ،  وهي كذلك بين وضوح وإيغال ومن ( الدرج.. ) نسوق هذه الأمثلة :

     المناسبات الناضجة ، الذنوب الفصلية ، الزر المضيء ، الغابة الكؤود ، الحروف الضخمة ، وفي الإضافة : هضبات الغيوم ، ظهيرة الليل ، عربة الطير ، ترابية المنتهى ، لهب الأنساب ، وقس على ذلك !

    واستعمال الأفعال وتحركها ظاهرة بارزة في شعر ميشيل ، فلو قرأت مثلا قصيدة " الاستقرار حيث البداية " في (الدرج...) لوجدت أكثر من أربعين فعلاً تتزاحم ، وكذلك الأمر في قصيدة " رقصة الأبد " في نفس الديوان ، ثم إن الشاعر يطعّم قصائده ببعض أمثال العرب : " قلب له ظهر المجن " ، " الفتاة بأبيها معجبة " ، " جزاء سنمار " ، كما أن هناك صورًا قليلة وغير متكاملة يستمدها من التراث *.

     ويستخدم الشاعر أسلوب الحوار ، ولعل أجمل مثل نسوقه من ( الدرج المؤدي الى أغوارنا ) هو " نمل صنع له أجنحة " ( الدرج ص76) ومن ( أن تسأل ) قصيدة حوار يائس ( أن ص100) .

والآن ، هل لي أن ألقي أدبية سريعة على كل ديوان :

 

    الدرج المؤدي الى أغوارنا : عنوان هذه المجموعة اهتديت إلى فهمه في مجموعته الثانية ( اقتراب الساعات والأميال ) حيث قال :

     " فإنني إذ أحفر الأدراج

     أحفرها في العمق

     في حسي "      ( اقتراب... 10)   

     في هذا الديوان مغامرة كما يقول طه محمد علي في المقدمة ، وفيه تجارب خطيرة ، أحببت قصيدة " النمل الذي صنع له أجنحة " بحواريتها وكثافتها ، فالحياة عنده يعبر عنها " المقدرة على التنفس " ، وفي هذا الوصف دقة مجردة من وصف متعة أو شقاء ، وهي قصيدة تكتشف بها عمقًا ، وفي كل قراءة ترتاد أفقًا ، ربما تضيع ....وربما تهتدي .

     اقتراب الساعات والأميال : كما أشرنا فهو على طريقة الشعر الحر ، وكما أرى فإن الشاعر يحمل في رجليه سلاسل أو يلبس لبوسًا ليس له . اقرأ معي ظلال المسير ( ص57) :

     بقدر ما أسطيع

     أساير الظلال

     لكنها حين تضيق

     لا تكون لي

     وحين تتسع

     يلفها المحال

     وإنني كي لا أضيع

     في الماء أغمس القدم

     أبلل الطريق

     وأنزلق

     هل قبلت من ميشيل كلمة أسطيع ؟ وهل فهمت ماذا يرمي ؟

     ألف ليلة عصرية : لم أتفاعل وهذا الديوان..... اقرأ الشاعر في قصيدته التراكمات ( ص92) :

     " في الزوايا وعلى المسطحات

     تتراكم ذراتي المهشمة

     تحملق بالحركة والصوت

     أنفض يدي منها مستسلما

     فتزمن بالخاطر المربد "

     فأشعر أن هذه الأبيات تركيز لديوانه ، فكلماته تتراكم ، وتحملق بحركتها وصوتها _ والحركة ليست طبيعية والصوت غالبًا ما يكون ضجيجًا _ وأشعر أن الخواطر مربدة ،  فأنفض منها يدي مستسلمًا .

     وما دمت أتحدث هنا _ شاعرًا _  أرجو أن يسامحني إذا كنت قد وجدت غرابة العناوين ففيها مجازات واستعارات غير مترابطة وهي في نظري :

     " يظل الواقع بعيدًا عن منطقها

     نحاول نحن المجددين أن نفهم البلبلة "       ( ألف 32)

   

 أن تسأل :

    ديوان يلتقي مع ديوانه الأول في تشخيص الشاعر ، يشمخ ميشيل إذ يعود طفلاً ، فالشعر هنا يعانقنا ونختبئ فيه ، نتحسس ملوسة شعره وعطريته .

     هذا ديوان ليس فيه تشويه صورة ، ولا مضاعفات ، مع أن هناك قصيدة اسمها " التشويه والمضاعفات " .

     التلاعب بالألفاظ ظاهرة طفولية ، فالميراج يريد الشاعر أن يحذف منه الحرف الأخير ، فيصبح ( ميرا ) اسم طفلة يهودية حتى يؤكد لنا إنسانيته ( ص30) ، والمعلمة (فرحة) تصبح (فرخة) حتى يؤكد لنا عبثه ( ص42) .

     حاول الشاعر أن يقلل من حدة وزخم الدرج ، لكنه كاد ينخفض مع نهاية عطلته الى الفراغ الموحش :

     " بعد أن تلبدت أفراحي

     فوق رماد حزني المزمن          ( ص97)

     حتما ستصغر كلماتي "

     وظاهرة أخرى في هذا الديوان ، هي أن الشاعر يحس كثيرًا بالنهاية.... فلماذا ؟ أطال الله عمرك !

وبعد ، فقد قمنا برحلة مع صديقنا ميشيل ولمسنا من عمقه وشفافيته ومن حبه وإنسانيته .

 ويطل علينا ميشيل شيخـًا طفلاً ،  وفي الحالتين له مكانة.

 

* المجموعات الاربع :

1- الدرج المؤدي الى أغوارنا ، الناصرة ، مطبعة الحكيم 1969

2- اقتراب الساعات والأميال ، تل أبيب ، دار النشر العربي 1972

3- ألف ليلة عصرية ، إصدار الشرق 1972

4- أن تسأل ، الناصرة ، مطبعة الحكيم 1975

 

* انظر مثلا : اقتراب.... ص 47 ، 79

* مثلا ابن عنترة ، السندباد

 

 

نشرت في الشرق -  تشرين أول 1975

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام