د. فاروق مواسي 

من كتاب عرض ونقد القائمة الرئيسية >>

جمال قعوار و  غبار السفر

     جمال قعوار في هذه المطولة له طعم جديد ونكهة مستحبة، وأنا من رواد هذه النكهة حتى ولو كانت نثرًا، لم أحفل في مطولته بالوزن ولا القافية، وأنت ما دمت تقرأ شعره لا تفتقدهما ، فالموسيقى الداخلية هادرة تارة وهادئة طورًا، تلتقط المعاني كأنك غواص درر تستجلي وتستلمح ، وربما عثرت على بعض الزيف ،  لكنك تبقى صيادًا.

     وماذا في " غبار السفر " من مضامين ؟ لا تسلني ! ولكني أعطيك مفتاحًا ، فاذهب مصحوبًا بالسلامة حتى الغرفة السابعة ، وثَـم تجد الجنية.

       المفتاح _ جمال طالب _ لا يهمني كيف تفهم الكلمة : ... العلم ...السلم ...القمة _ يسمع تحديًا وصِفة نابية يطلقها إناء ينضح بما فيه، فصعّد جمال صوته ليستنكر في وقت يخفت فيه الصوت، فجاء استنكاره وثيقة شعرية مرحلية هامة استقطبت إحساسات عارمة ظلت تتفاعل، ونبضًا دفاقـًا ظل يموج، وتتفاعل ويموج ضمن دائرة الوهج المأساوي الذي بلونا فيه أنواع التأسي.

     فعندما شربوا ينابيع جمال وأكلوا حقوله (ص9) كان جمال ساكنـًا شأن الشعراء العاكفين في بروجهم، وإذا بكلمة واحدة _ لم تخرج من فم الرب _ تجعل جمالاً رجلاً ، بل معلمًا ،  بل شاعرًا يستعرض تاريخه وتاريخ أدبه، فيأتي بفلتة مفاجئة ليس على تصعيد القضية فحسب، بل على تنامي مفعول الشعر.

     مزج جمال بين حساب الذات والخطاب، والموضوع يقتضيه أن يكون خطابيًا، ولكن على جمهور مثقف يستطيع أن يعيد ويستعيد، يتذكر ويذكّر، فرموزه التي ألمع إليها ليست مستغلقة، بل إن الباب مفتوح نصف فتحة ،  أو مضاء نصف إضاءة.

     أحسن انتقاء المراجع من أبي العلاء (ص58) وأبي العتاهية (ص55)، من جرير (ص59) والمتنبي (ص76)، من امرئ القيس (ص58) وبشر بن عوانة (ص34)، وغيرهم....... وفي التاريخ : من يوم حليمة (ص59) وكربلاء (ص24)......

     ومن الأسطورة : شهرزاد (ص71) والسندباد (ص72) -  ثقافة إنسانية شاملة صنع منها شعرًا.

فعندما يقول جمال:

     " حتى من يبلغكم الفطام

     فأرى المخاريق بأيدي اللاعبين "    (ص19)

  على المستمع أن يبعث عمرو بن كلثوم ويستوحي :

     " إذا بلغ الفطام لنا صبي

                تخر له الجبابر ساجدينا *

     كأن سيوفنا منا ومنهم

                مخاريق بأيدي لاعبينا " **

     فهو قد استعار من الشاعر القديم ،  وعرف كيف يفهمه ،  بل يذهب إلى أبعد من ذلك في البحث عن معاني السؤدد.

وعندما يقول جمال :

     " الثعالب جائعة

     والنواطير نائمة

     غافلة عن العناقيد "     (ص26)

     لا بد لك في رهبة الموقف أن تقرأ قصيدة المتنبي كاملة حتى تستغور هذا التضمين .

ويسـأل جمال :

     " أين أنت يا بدر بن عمار ؟ "   (ص31)

    ومع أن الاسم وحده يثير تداعيات على أكثر من وجه، فإنه كذلك يوقفنا في بلاط بدر بن عمار ( تولى حرب طبرية سنة 939م ) فقد أثار جمالاً ما قاله المتنبي في بدر ، وذلك عندما صرع الأسد :

     " الفارج الكرب العظام بمثلها

                   والتارك الملك العزيز ذليلا

                    ....  ....

     أمعفر الليث الهزبر بسوطه

                لمن ادخرت الصارم المصقولا " ***

     فسوط بدر _ على رأي جمال _ ينقذ من هام الرفاق تلولا ، وهذا يعيدنا ثانية الى البلية التي وقعت ...

      والكتاب _ القرآن _ الذي ظل يضيء له وجه الطريق (ص6) كان له تأثير على بناء شخصيته الأدبية ، فشاعر يقول :

     " إنا صببنا الماء صبا

     ثم إنا صببنا النار صبا "     (ص17)

     أكاد أقول أتى بآية ،  أو أقول كاد يأتي بآية ...إنه يستفيد من هذا التراث الوفير الذي يحبه

     " وأما القاسطون ...

     فقد صدق الله العظيم "      (ص30)

 ومكان النقاط ليس في صالح الظالمين _ حتى ولو لم نؤمن بوجود الصورة التطبيقية لجهنم _ وهو يدرك تمامًا مآل القاسطين ومآل المقسطين ...

  الفئة الأولى كانوا لجهنم حطبًا ، والفئة الثانية هم العادلون " إن الله يحب المقسطين " .

 والشاعر يرى منكرًا ،  ويهم أن يقوّمه ،  فيجد أن الأسلوب الأول متعذر حاليًا ،  والأسلوب الثالث ينكره (ص14) ، وهو بحاجة إلى تقويم ،  لأنه يدل على ضعف ، إذن فالأجدى أن يستخدم لسانه وشعره ومن هنا نبدأ :

     " وذات العينين الواسعتين

     حقول تموج بالذهب

     وتنتظرني

     ماذا تريد أيها الفارس الجميل

     أريد وردة حمراء

     لعيني حبيبتي "    (ص33)

     هنا تتساوق البساطة مع البعد ، فرغم أن الكلمات ليست من السهل الممتنع ،  فإن بها عاطفة زاخرة ذات مد شعوري انفعالي . لنقرأ :

     " وأنت يا ذات العينين الواسعتين

     يا ذات الجدائل السوداء .

     والأهداب التي تتكسر حياء

....    ....

    سأعود إليك قبل الفجر "        (ص35)

      مرحبًا  بالعودة لهذه الحبيبة الجميلة الحزينة العينين التي يطلب منها الشاعر أن تعانقه كلما خطا خطوة صاعدة ، أن تبارك قلمه كلما بصق في وجه الشر . (ص74)

     وما هو الشر يا ترى ؟

إنه أخطبوط (ص68) ، هو الغرور بعينه (ص65) ، أن تأتي المذمة من ناقص (ص64) ، الكذب على التاريخ (ص63) ، القرصنة في أعالي البحار (ص62) ، الدبابة (ص60) ، رفض تراثنا الذي عانق المجد (ص57) ، أن ينكروا علينا حب القمر (ص57) ، هو  الظلام الأصفر (ص49) ، الولد الأرعن (ص44) ، السكين المفلل (ص40) ، أسنان الغول المسنونة (ص24) ، ومطاردة المماليك (ص7) ، إلى الحد الذي يكون أزمردا مستعدًا لاجتياح السماء . (ص19)

      أما ما يؤخذ على هذا الديوان فهو سيطرة الذهنية والتفكير الطاغي على المد الشعوري الرقراق ،  كما لا أرى مبررًا لافتتاحيته المطولة " ربما كنت قذرًا " (ص5)

     ويروق لنا _ حتى ضمن دائرة التفكير _ أن يكشف لنا جمال عن هويته ويقول : أنا جمال قعوار ولدت في الناصرة ولي من الأولاد :

     " لمى وربيع

     يلعبان حول الدار

     ضحكة نيسان في ثغريهما

     والمصير يترجح على كف عفريت "   (ص40)

 

* مطبعة الحكيم ، الناصرة 1973 (78 صفحة من القطع الصغير )

* شرح المعلقات السبع للزوزني _ مكتبة المحتسب _ عمان ص189

** ن.م ص176

*** ديوان المتنبي ج3 ص 351

نشرت في مجلة الشرق

نيسان 1973

 

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام