د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

قصيدة وشاعر  

      كنت قد عالجت قصائد لشعرائنا المحليين ونشرتها ضمن هذه الزاوية ، وإليك نماذج من هذا النقد .

القصيدة :            " لقاء وأمل "       شعر : شفيق حبيب

 والتقينا ... وتلاقت دمعتان

دمعة تأبى الهوان

ما همت إلا رجولـه،

عانقت دمعة عين

من ينابيع البطولـه

لحظة  تجمع ماضينا

وما في الحاضر المحزون من رؤيا ذليلـه

قال : إني أزرع الشمس على ذروة تلـه

أزرع المستقبل الآتي نجوما وأهلـه

وأنا ما زلت في الظلمة أرنو للصباح

أتغنى بالعواصف

وأغني للرياح

علها تبزغ من وحل حياتي وردة تحضن فلــه

****    ****

أنت يا نسري طليق

أنت نبراس على مد الطريق

أنت شعلة

نحن صنوان ولكن

أثخنت قلبي الجراح

مد لي هذا الجناح

إنني يا نسر أصبحت غريق

آه لو أغدو حسام

لاجتثثت الشر من أرض السلام .

 

النقد والتحليل :

     شفيق حبيب في هذه القصيدة ليس تائهًا ولا هائمًا ، تعاودنا موسيقاه بأنغام شجية ، ويرجع الصوت متسقًا ، كل ذلك من خلال أطر تبتعد عن الترف اللفظي.... وتمازج بين الرومانسية والواقعية تمازجًا يلامس المناجاة ، مناجاة من نوع خاص تنصهر في بوتقة التحدي :

     " والتقينا ... وتلاقت دمعتان

     دمعة تأبى الهوان

     ما همت إلا رجولـه "

     دمعة الأول التقت بدمعة ذرفها بطل ، خرجت قسرًا فطاوعها تحت جنح العاطفة ، جمع فيها ماضيًا تليدًا وحاضرًا محزونًا برؤاه الذليلة ليطل منه على مستقبل أجمل وأزهى ، هذا الإنسان العظيم الذي هل على شفيق سيزرع الشمس على ذروة تلة ، سيزرع المستقبل أهلة ، سيخلق المعجزات ويحققها ، ولنعد الى شفيق وحاله :

     " وأنا

     ما زلت في الظلمة أرنو للصباح

     وأغني للرياح "

   كم   أحب الشعر الذي يعترف بواقعه ويعايشه ، يلامسه ولا يبسطه ،  فالوضوح المفرط قتل للشعر ، وشاعرنا هنا يدل على معان يفهمها السامع من الرنة والوقع ، رمزية لا تصل إلى الإيغال ، وفي قراءتها ارتياح للتشابه والحركة وما يلازم ذلك من تلوين عفوي .

أسمع الشاعر وهو يخاطب صاحب دمعة الرجولة :

     " أنت يا نسري طليق

     أنت نبراس على مد الطريق "

     لا فض فوك يا شفيق ، فصاحبك شعلة سيمد لك بعض جناحه .

 أرأيت كيف يصبح النسر شعلة ؟ إنه طائر الفينيق الذي ذكره أدونيس في شعره _ كلما احترق تسري به روح الحياة .

     لا أدري إن كان النسر طليقًا حقًا ، وما معنى استعداده هذا للموت دون حريته إن كان طليقًا ؟

     كلمات القصيدة رائعة اللهم إلا كلمة _ لاجتثثت _ التي أراها غير لائقة ، وربما يشفع لها أن إخراج الكلمة صعب كاستئصال الشر -  أي إن الكلمة ملائمة لمدلولها ...كما نشعر بالثقل في قوله تعالى " ... اثاقلتم " وبالتدرج في قوله تعالى " ... سنستدرجهم " .

وإلى اللقاء في قصائد نلتقي بك فيها على أمل الأنباء

25 – 6 – 1971 

********************

مقتطفات أخرى

     ... واحتار في مثل هذه القصائد التي تتوكأ على (يا) النداء . يقول الشاعر ج . نصر الله :

     " يا بلسم العمر          ويا شذا العنبر

     يا مرفأ العندم           يا ثغرها الأحمر

     يا ذروة الشهد          يا ساكب الكوثر "

 

 وما دام الأمر كذلك..... فاسمع مني أيها الشاعر ما هو  على نفس الوتيرة  :

     يا مهجة القلب          يا دمـية   الرب

     أفديك من حسن        يرنو له    حـبي

     يا ثغرها الأصفى         كمرجنا الخصب

     معطاء لم يبخل            وثغرها يـسبي

     أمتص رشفات        فتنثــني قربـي

 

     وأعطني قوافي ....وخذ مني رصف كلام ،  كالبناء يقول "  هات طين هات " !

 وأتعهد لك في كتابة ديوان عن ثغرها . ولكن ، بربك ،  هل هذا شعر راق ومسؤول ؟

     كتب ديهامل في كتابه " دفاع عن الأدب " إن بلزاك سوّد مئات الصفحات قبل أن يعثر على نفسه ، فالشعر صناعة يجب أن يحذقها صاحبها بطول المران قبل أن يجرؤ عليها .

الأنباء 4 – 6 – 1971

********************

 

     ربما أكون هذه المرة قاسيًا ، ولا أخاطب هذه القصيدة بالذات بقدر ما أعني هذه " الدرر " التي تطلع علينا بين الفينة والفينة تحت اسم الشعر .

بعض شعرائنا يكتبون أكثر مما يقرءون ، يفتشون عن المعنى المبهم ويطلقونه من عقاله وأنت غبي إن لم تفهم .

     كم يكون جميلاً لو دعونا شعراءنا الغيبيين هؤلاء لنستمع إليهم ،  ولا نطلب التفسير المطلق ، بل نريد أن نعرف _ ومن حقنا أن نعرف _ في أي فلَك يسبحون ؟

 الشعراء هداة البشر.... فلماذا التجانف عن مآسيهم ؟

 أنا لا أنكر أن بعضهم عندما يقول قولاً غامضًا يكون هو في علوه وأكون قاصرًا ، ولكن هل يعني ذلك أن أقبل أقوال المحمومين أو من لم يصلب عودهم في الأدب على حساب اتهام نفسي بالقصور ؟

     كتب لي الصديق زكي درويش يقول : " أنا لا أخفي عليك إني لم أعد أفهم رأسي من قدمي... وأنا والله العظيم لسعيد بهذا اللافهم _ سعيد إلى أبعد الحدود _ كنت اتهم نفسي بالغباء ولكني الآن سأنفي عن نفسي هذه التهمة ، لأن أصحاب هذه المدرسة _ إن كانت مدرسة _ يعترفون بالعجز أمام شعوذاتهم اللامتناهية..... فهل أنا وأنت مسؤولان عن إصلاح ما أفسده الزمن ؟ "

     ولكن هذا لا يمنعنا أن نقول لهؤلاء المقلدين الأدعياء :

يا هؤلاء استفيقوا  ، واقرأوا نبض الغرب !

 من منا قرأ شكسبير وتفهمه ؟

من منا درس الفلسفة حتى يهتدي إلى طريق الشعر ؟

     المعذرة لا أقصد أن يكون ذلك شرطـًا ،  ولكنه تحفيز لمواصلة الثقافة... وألا نغتر بأسمائنا تبرق في صدر الصحيفة ونقول : " والله نحن شعراء..... " .

 

الأنباء 30 – 4 – 1971
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام