د. فاروق مواسي 

كتاب عرض ونقد في الشعر المحلي

القائمة الرئيسية >>

قراءة في سربية سميح القاسم (1)

" إلهي، إلهي لماذا قتلتني ؟ "

   يتميز سميح القاسم بصوت حاد عنيف يصرخ آنًا لكنه يتشبث. صوته فيه سمات بارزة أكثر فيها النقاد وصفًا، فمنذ أن طلع علينا في ديوانه " مواكب الشمس " وهو يغني ، يبكي ، يحب ويكره ، التقيناه شاعرًا جريئًا يستولد الكلمات ، يشحنها بالفكرة  ، يعبئها بالأمل ،  يزرع في أحشائها الحركة.

     ذاق برحاء الأرض المنكوبة عدد شعر ذقنه، فخرجت كلماته معبرة عن نفس جياشة في شعر تقليدي إيقاعي حينًا، وفي خروج عن كل قيد حينًا آخر -  شأنه في السربية.

     والسربية التي سنتناول بعض جوانبها " إلهي، إلهي لماذا قتلتني ؟! " تعني مطولة، فيها جهد بناء، ومعماريتها اتجهت على نسق درامي، تضامّت الحالات التي تتململ في نفس الشاعر ،  وانبجست في مقطوعات تنتهي كل واحدة بسؤال مر: إلهي لماذا ... تركتني، قتلتني، نبذتني؟ وهو تكرار له ما يبرره على الصعيد الرؤيوي _ من حيث السياق _ .

     في المطولة _ أو كما يحلو  لسميح أن يقول (  في السربية ) _ رمز وحقيقة، قضية وخبرة، رومانسية شفافة، وواقعية صارخة، آفاق فسيحة تلتقي كلها عند الخلاص، من الخلاص تتوزع، والطريق إلى البؤرة خواطر وتمرد، رفض وانتفاضات.

     تسلح سميح القاسم بإنسانية مثقفة وجاء يقول، جاء يخطب، كنا نلحق كلماته التي تنطلق حية، نتساءل : هل هذا شعر ؟ _ أكثر من مرة _ لكنا نتذكر أن بعض البيان سحر !

     المعنى في السربية واحد، والألفاظ تتعادل، تتناظر. في المعنى رفض  ، لأن الأجراس الوحشية تقرع بلا انقطاع بين صدغيه (ص6) ، ولأن الأصيل والسحر يتكرران على غربة الحمام الزاجل بينما "وردة القراصنة تنمو وتمتد بعطرها السام" (ص5)

     ولماذا يحتج بكل هذا الغضب ؟ :

     _ " أنت تشرب القهوة على شرفة عمري

       وأنا أحصي همومي ومواليدي

     في خيام وكالة الغوث

     لا عدالة في ذلك "       (ص32)

    لذا فالحاضر الغائب أولى به أن ينشد متحديًا " عائدون " (ص32) ،  وغضبه يسوقه ليفجر العالم.... بيد أن ضميره يؤنبه، ثم ما يلبث أن يركب للأرض جناحين ويطير ويهوي ،  بينما يكون جبرائيل شاهد عيان .  (ص9)

 

     وهنا يبدأ العتاب الأول: إلهي لماذا تخليت عني ؟ (ص9) . يتمنى الشاعر أن تنتفض صاعقة على أسلاك المدينة حتى تحترق بالكهرباء وترقص هلعًا، ساعتها يشمت بها، ففي المدينة رأى عيون الخنازير الغلاظ وهي تلعق سيقان الأرامل ساعة الجنازة. (ص12)

     ثم وفي مكان آخر بينما يرقد بعفوية إلى جانب أهله في دنس الأردن (ص17) _ تذكر فيروز _ يرى أن لا بد له من بركان معد بإتقان تام( ص17 )،  ثم يطلب الشاعر أن توجه دعوة للسير ( أنتوني إيدن ) لحضور أعياد الجامعة العربية، لأن الرصاصة جاهزة في بيت النار، ويده ما زالت على الزناد ... (ص19)

     ويرفض الشاعر هذا التعايش السلمي التام بين عمارة شركة "صيم" للملاحة وبين أنقاض مسجد مهان لم يبق منه سوى مئذنة متصدعة (ص47). حتى الجرس الكهربائي _ في الدار التي أراد أن يستأجرها _ متطفل على منزل الحجر القديم بأقواسه العربية _ والمضحك المؤسي أن السيدة لا تستطيع تأجير المنزل للعرب ! (ص48).

 وصور الرفض والتحدي كثيرة تجدها بين سطور سميح القاسم :

     فيخاطب الشاعر أهله مجرحًا من خلال حب، أسوة بنـزار في دفتره المعروف : (2)

     " أين أنتم يا ذوي القامات المسحوقة كالتبن

     تحت مسامير الأحذية العسكرية الثقيلة

     وأين أنتم يا شيوخ القبيلة وعلية القوم

     أيها الشاحبون الحالمون

     بالنسل بالحور العين بغلمان الجنة والبضائع الأجنبية

     أين أنتم

     يا من تكدسون نساءكم المازوكيات

     يا من تصطف خواتم الذهب والماس فوق أظافركم القذرة

     بفوضى عساكر البادية

     أيها الملوك والرؤساء

     يا مماليك سايكس بيكو

     ابّنوا فلسطين في مؤتمراتكم "   (ص24) (3)

   ركز سميح القاسم عيوبنا بنوع من الإحساس النبوي المشارك " وما أنا إلا بشر مثلكم " . 

 

     ومن الصور الرافضة التي يخرج فيها سميح القاسم عن إطار الذوق المتبع أنه يقذف بذار الاستمناء على صلعة الكون ساعة توقيعهم على المؤامرة، وذلك في الصورة التي تتحدث عن دعوته لحضور حفلة الأورجيا_القصف واللهو المعربد_ هذه الأورجيا التي كانت تأبينية تقام احتفالا بذكراه الطيبة (ص22)، فهو غاضب يود لو يتحطم مع الزجاج، لكن الحراس لا يدعونه يفعل ذلك، وعندما تتلوى الموظفات الصغيرات وتحمحم الشهوة يقول الشاعر:

     " أرقى المنصة الفخمة المهيبة

     أستل أحقادي

     من فتحة بنطلوني

     وأستمني

     توقع الأطراف المعنية وثائقها الهامة

     وأقذف بذاري على صلعة الكون "   (ص23)

     الرفض الذي أشرنا إليه لا يغفل الوجه الثاني للعملة: الوجه الإنساني القسيم، فتراه يزور ( بوخنفلد ) _ معسكر الاعتقال النازي _ يكتشف سذاجته إزاء هذه القسوة، (ص13) ويعود إليه سؤاله بنفس المرارة لا فلسطينيًا بل إنسانًا: إلهي لماذا تركتني ؟

     وانظر الى تأكيده على سواسية البشر إذ تتبدل الأسماء والإنسان إنسان:

      " سمير . إلياهو . شن . جوني . إيفان . راج

     متى نكتشف أنهم متشابهون تماما

     وإنني لأتحداكم أيها الأغبياء

     أن تميزوا بينهم من زعيق إعدامهم هذا

     لا . لا قبل لي بكل هذه القسوة "     (ص40)

     الشاعر لا يتحمل قسوة القتل برغم ما حاول أن يثبت في رفضياته من استعداد للقتل، هو إنسان حساس تنقلب عنده الصورة برفق حتى تتناقض ولا تثريب عليه.

     فتارة يكون الشاعر اثنين _ الشاعر والشاهد _ وتتعدد أسباب الموت والموت واحد: موت طبيعي، اغتيال. محاولة انتحار، حادثة سقوط الحاجز الوقائي.(4)

يموت الشاعر ويعيش ليتابع قوله ،  ثم يموت ليبقى:

     " وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون "         (سورة البقرة28)

     والله (5) عند الشاعر في صور متباينة: تارة يطلبه. وطورا يطلب منه أن يستقيل، وفي النهاية يطلب حياديته. فالرب كما يقول مشترك وهو في موضع اتهام: " يا ربنا وربهم متى تفيق ؟ "            (ص16)

 

     وبرغم تعدد الجزئيات تبقى الصورة واحدة متكاملة، وفي إيمانه تناقض وحتى في الوطن الذي صهر ذاته فيه يقول :

" أمقتك أشد المقت "            (ص28)

     في نفسه تتوحد الأشياء بتناقضاتها وتتجلى نظرية : الحلول والفيض، فإذا بشاعرنا يصبح رملا وبرقوقًا وطفلاً وشعبًا وأشياء خاصة كثيرة غيرها (ص27) يذكرها بنفس طويل،  وهو يذكّرني بنعيمة في ابتهالاته عندما اتحد الله بكونه:

     كحل اللهم عيني

     بشعاع من ضياك

     كي تراك

     في جميع الخلق في دود القبور

     في .....  ....

      ( وفي خمسين شيئا آخر ) (6)

لكن تنويع سميح القاسم يبقى أوسع .

 

    المبنى

     قصيدة طويلة سماها سميح سربية لأنها توحي شكليا بالتداعيات والنقلات والسرب داخل الإطار العام الواحد، تجنب الكلمة الشائعة " مطولة " لأنها توحي بالبعد الواحد ،  وصيغة اسم المفعول تدل على تصميم مسبق وميل واع إلى التطويل، الأمر المنافي لروح الشعر والغريب على الإبداع الفني - كما يرى المؤلف في تفسيره لمعنى السربية. (ص53)

     والسربية تحتوي على خمس عشرة نقلة تنتهي كل منها بصرخة : إلهي لماذا تركتني؟ أو مرادفاتها، كتبها الشاعر رافضًا كذلك الوزن وقيد التفعيلات، أغفل الثانية كأنها لم تكن أو كأنه لم يبدع فيها، واستضاف كلمات أجنبية كثيرة تتردد ولا تجد لها بديلاً عربيًا صرفًا :

     " يا رجال البلاستيك أيها المحشوون بالقطن المعقم والأنتيبيوتيكا ... فأقيموا حفلات كوكتيلكم في البيت الأبيض " (ص18)

     " رأيت البزنسمن ورجال البنكنوت

     وهم يجففون دموعهم التي لم تسل "         (ص12)

وهو جريء أيضا في كتابة الكلمة ونحتها حسب أحدث " مودة " يكتب " حيميت " (ص16) بهذه الصورة وكأنه يريد أن يجمع بين الحياة والموت حتى في شكل الكلمة، ( وفي مكان آخر يجعل التاء المربوطة مفتوحة متحديًا كل رجال اللغة المتزمتين، عائدا إلى بدايات كتابة اللغة العربية ) (7)

 

 والشاعر جريء في استعمال اللفظة الشائعة :

     " ولو

     قطيعة تقطع هالعيشة "        (ص39)

يقولها بسيطة ولكنها موحية .

     يدخل في شعره الأغنية الشعبية وتلمح عنده طريقة التركيب في الشعر. وقد استشهد ببضعة أبيات توراتية عبرية ترد فيها كلمةة ( يزنح ) التي لها دلالة عبرية أبرز من دلالتها العربية .      (ص15)

     وكلمة (كهرباء )لا تكون لها خطورة التيار إلا إذا كتبها بالعبرية والإنجليزية (ص11)، ويجنح الشاعر الى الصورة المتكررة يصفها من جوانب عدة، وتبدو أحيانًا لوحة سريالية، وأرجو أن يقف القارئ طويلا عندها :

     " تبقى صورتي في عز الشباب

     يوم تفجرت ذراعاي من صدغي

     ودغدغت حبيبتي قدمي النافرتين من خاصرتي

     بينما انتصب عضوي التناسلي من جبهتي

     كسكة فلاح نشيط

     كقرن وحيد القرن

     كصاروخ على أهبة الاستعداد

     للانتحار فوق جثة العالم القديم

     أو كجندي الحراسة بباب الأمم المتحدة "        (ص21)

     فهو يشبع الصورة الجزئية وصفًا وكأنها تستهويه. أليست هي إحساساته ؟

     فالبناء اللفظي عند سميح القاسم رافض كصاحبه. كالماء المحبوس يحاول أن يتفلت .

والصور عند سميح متراكمة حتى لتغطى علينا أحيانًا فلا نعرف ماذا يعني : (8)

     " بينما يثرثر الدوري مزهوًا أمام أنثاه

     وتتحفز القبرات الجبانات لاقتحام البيادر المهجورة

     إلا من الأصداء القطنية العالقة في الأثير المنخفض

     فوق حطام أرغول فلسطيني

     تقلبه أصابع الريح الشمالية والخماسين

     حاملة إليه أنفاس عازفه البعيد "       (ص9)

 

 

     والمعاني عنده بعضها مستمد من التراث كاستعمال آيات، (ص52) و أبيات شعر قديم (ص24) وبعضها من لوركا _ عندليب اللهب _ وبعضها تكرار لنفسه وإحساس متجدد بالقضية        (ص7 ، 45).

     وإذا كان سميح القاسم قدير على كتابة المسرح الشعري فإنه في سربيته متدفق بعطائه ومعانيه .

وحتى يكون ختامًا مسكًا نذكر ماذا يريد سميح القاسم بشعره ومن ورائه :

     ليأت الشغف المشبوب في أجساد البشر

     وليأت أطفال السنابل

     ولتأت مواعيد الخطبة

     وشهادات النجاح المدرسي

     ولتأت اتفاقيات السلام والتعاون

     وشهور الوضع وليأت الحب

     ليأت الأخضر

     وليذهب فتور المودات

     ولتذهب الخيانة والحسد والنميمة

وليذهب سوء التفاهم والافتئات "     (ص50)

 (1) سميح القاسم، " إلهي، إلهي لماذا قتلتني " ص62 قطع متوسط _ مطبعة الاتحاد، حيفا ، وقد أتمها في أيلول 73 نشرت كاملة في نيسان .1974 

(2) انظر ديوان نزار قباني  : الذين يزنون بالكلام

(3) نموذج آخر ص6

(4) ص 47، 15، 52

(5) ص 6 ، 7 ، 48 

(6) نعيمه ، همس الجفون ص35

(7) انظر مراثي إرميا لسميح القاسم ، دار الآداب _ بيروت 1973، ص5

(8) تنطبق هذه الملاحظة على ما بين الصفحتين 9 ، 11

 

 

نشرت في الجديد

العددان 9/10 _ 1974

 

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام