![]() |
|||||
|
محمد قاسم صفوري |
وقفة مع مسرحية إعترافات عاهر سياسي |
2006/05/29 | |||
|
على صعيد المضمون تعرض المسرحية نموذجاً لبعض السياسيين العرب في هذه البلاد، وهو نموذج الذي يتظاهر أمام الناس أنه يفني نفسه ويفني صحته ويضيع وقته في سبيل خدمتهم، وهو في الحقيقة لا يسعى الا الى تحقيق مطامعه ومآربه الشخصية. ومن أجل ذلك يطلق عليه الكاتب اسم "عاهر سياسي"، ولا أدري كم أصاب أو أخطأ في هذه التسمية المنتزعة من عالم آخر بعيد كل البعد عن السياسة ولعله قريب، لما في السياسة من مراءاة وألاعيب ونحو ذلك. تصور المسرحية مراءاة رجل السياسة هذا في كل خطوة يخطوها. ويعمد الى استغلال موهبته في التمثيل والتي يعترف بها دون حرج، فيقفز أمام عدسات الكاميرا في كل مظاهرة تجري ويتعمد الاعتداء على رجال الشرطة لتظهر صوره على الملأ في التلفزيون والجرائد. ولعله يرمي في ذلك إلى تصوير واقع الانسان العربي الذي لا يصدر عنه سوى الهتاف بالشعارات الرنانة . ويلجأ الكاتب إلى استخدام تقنيات فنية عديدة، فيوظف مثلاً أسلوب الاسترجاع الفني ليعود بالممثل إلى عهد دراسته الثانوية فيكشف عن صفته الفطرية في التظاهر عندما يلتقي العاملة الاجتماعية ويحاول التودد اليها. ويوهمها أنه طالب مظلوم ويدّعي أن المعلمين يتخذون منه موقفاً سلبياً. وتقوم هي بكل سذاجة ساعية إلى حل مشاكله لكن مربي الصف يكشف ألاعيبه وهو يشير إلى قدرته على التمثيل، وفي هذا المقام يتريث قليلاً ليقدم نقداً لاذعاً لمنهاج التعليم في الوسط العربي حيث يكرر الطلاب أجزاء طويلة من "التوراة" ويدرسون تاريخ الشعب اليهودي أو يحفظون أبياتاً كثيرة من شعر المعلقات دون أن يعوا شيئاً من مضمونها. وفي ذلك نداء صارخ لضرورة تغيير تلك المناهج التي لا تمت للإنسان العربي بأي صلة. ثم يقفز بالمشاهد الى الجامعة ليؤكد مرة أخرى محاولات تسلقه على حساب غيره من الطلاب. ويشير في تضاعيف المسرحية الى ابتعاد الجامعي العربي عن هموم شعبه وقضاياه حين يكون كل همه الحصول على الشهادة، العمل ومن ثم الزواج وانجاب الذرية ليظل دوره هامشياً في مجتمعه. وكأني به يتساءل: ما فائدة العلم اذا لم يحدث تغييراً ايجابياً في السلوك ولم يؤثر ذلك المتعلم أو يعمل على تطوير مجتمعه وزيادة وعيه؟! كما يلج الكاتب عالم الطالب العربي مصوراً بعض سلبياته ينتقل بعد ذلك إلى بلده واضعاً نصب عينيه مخططاً يوصله إلى رئاسة المجلس البلدي مستغلاً قدرته على التمثيل فيكسب ود الناس. ويخشى الرئيس على ضياع منصبه، فيجعله مديراً لقسم المعارف بعد اقناعه بالتنازل عن خوض المعركة الانتخابية وهنا يشير إلى طريقة وصول الانسان العربي إلى السلطة، فيكفي أن يشارك في كل فرح أو ترح معبراً عن سعادته أو حزنه حسبما تقتضيه المناسبة ليكسب شعبية كبرى تؤهله للوصول الى كرسي الرئاسة. وتشير المسرحية إلى ظاهرة استغلال المسؤولين لمناصبهم فيبتزون من أموال الجمهور ويوظفون أقاربهم ومعارفهم متظاهرين بالعمل والعطاء بينما يقضون جل وقتهم بلا عمل، وعندما تتقدم "صفاء" بطلب عمل وتأتي لمقابلة السياسي، مدير قسم المعارف، ترفض التريث في مكتبه وتلوم نفسها على الحضور . لا يكتفي ذلك السياسي بما حقق بل يعود الى معركة الرئاسة في البلدة ويصير رئيساً بطرقه الملتوية، اذ يتزوج "وسيلة"، ابنة أحد الرجال الذي يرجح كفته في المعركة الانتخابية، وهنا يتوقف الكاتب مرة أخرى ليوجه نقداً لممارسات الفائز في الرئاسة، اذ تعقد الحفلات وتمدّ الموائد الغنية بأشهى الأطعمة، بعدها يمطره الناس بكم رهيب من الطلبات المرهقة تحقيقاً لوعوده الانتخابية، لكنه يعجز عن تنفيذها فيلوذ إلى اعلان الاضراب بحجة نقص الموارد والأموال، ويتضامن الجمهور معه وينسون طلباتهم. وفي اعتقادي ان المسرحية تتجنى على أعضاء الكنيست العرب إضافة لتجنيها على الانسان العربي البسيط، حيث يصل ذلك السياسي الى الكنيست ويتخذ طريقه إليها عبر الخطابات الصارخة، والمشاركة في بضع مظاهرات ومن ثم سجنه بعض الوقت ليتربع فيما بعد على أحد مقاعد الكنيست متجاهلاً جمهوره الذي أحله ذلك المحل. وهنا يتذكر "صفاء" ويتصل بها ليتخذها مساعدته البرلمانية، لكنها ترفض ذلك العرض وتقطع الاتصال، فتثور ثائرته محرّقاً عليها الأرم ويتوعدها. ويعود بنا مرة أخرى الى الجمهور العربي مظهراً لا مبالاته بما يجري في البلاد وكأنهم تحوّلوا الى آلات، لا مشاعر لها ولا مواقف وبذلك نجده لا ينصف العربي في هذه البلاد وهو يلجأ الى مبدأ التعميم الذي ينسحب على جميع مشاهد المسرحية اللهم الا اذا استثنينا "صفاء" التي تعكس الوجه الآخر للأنسان العربي الذي يتمسك بقضاياه، وقيمه، ومبادئه مهما كلفه الأمر. ثم يجوز بنا الى الأقطار العربية ساخراً من موقف الانسان هناك من قضايا سياسية كموقفه من حرب الخليج وحلمه بقدرة "صدّام" على اعادة مجد العرب، لكن هزيمته تبدد حلمه دون أن يعترف بالأسباب الحقيقية لتلك الهزيمة، أو موقفه من اتفاقية "أوسلو" التي نتج عنها وضع اللاحرب واللاسلم، ثم تلتها انتفاضة الشعب الفلسطيني ومن ثم عمليات التفجير، فراد ذلك السياسي وأمثاله يرفعون صلواتهم الى الباري عله يعيد الهدوء والاستقرار، ليس حقناً لدماء الناس، انما حفاظاً على حياته هو وضماناً لبقائه. ويتابع السياسي ألاعيبه وأساليبه الوصولية وتخيب آماله حين تتأزم الحالة وتحتل المناطق الفلسطينية فيحاصر الرئيس عرفات وتنهال الوفود عليه وبضمنهم نواب عرب يشجبون مواقف الدول العربية حين يعلنون عن وقوفهم على بعد أمتار من الرئيس عرفات. ثم تنقلنا المسرحية الى تصوير موقف بعض الدول العربية تجاه العربي في إسرائيل وتنكرها له وهي تمتنع عن بناء أي علاقة معه في الوقت الذي تهش فيه لبناء مثل تلك العلاقة مع الإنسان اليهودي. وحين يعود السياسي المتذبذب الى محاولة تحديد هويته الوطنية يعجز عن اتخاذ قرار واضح، فهو في قرارة نفسه يشعر أنه فلسطيني لكنه يتراجع ولا يجرؤ على التصريح بذلك وهو يوازن بين الربح والخسارة المادية التي ستلحق به فيما لو تنازل عن هويته الاسرائيلية، وبذلك يسخر الكاتب أمثال ذلك الشخص الذي يتأرجح انتماؤهم الوطني في أرجوحة المادة!! حتى لتصل قمة سخريته الى الذروة وهو يعترف بأنه كغيره من العرب لا يعرف ماذا يريد!! وهكذا يظل المشاهد مشدوداً الى المسرحية حتى يخلص السياسي الى ضرورة احداث تغيير في سلوكه، ليتمكن من قول ما يؤمن به هو، ولا يتحقق له ذلك الا بعد أن يبتعد عن العمل السياسي ويستقيل من كل وظائفه ليصحو ضميره ويرضى هو عن نفسه وترضى "صفاء" عنه. يتضح مما تقدم أن المسرحية تصور المسيرة السياسية للعربي في اسرائيل، لعبة دنيئة تجرّده من انسانيته، مبادئه، قيمه، وضميره، اذ يسعى فقط لتحقيق مآربه، تلك المآرب التي ترغمه على السير في شعاب الرذيلة دون أن يرعوي عنها حتى يصل الى هدفه وبغيته!! وعندما يعود الى ضميره ومحاسبة نفسه يخجل من سلوكه ويقرر التجرّد من وظائفه والابتعاد عن الحلبة السياسية. وفي الختام لا بد من التطرق لمزيد من الأمور الفنية التي تكشف عنها المسرحية، فنلاحظ مثلاً قدرة الكاتب على بناء الشخصية فيزوّد السياسي بكل الوسائل والأحابيل التي تؤازره وتمكنه من تحقيق ما يصبو اليه. ثم يعود ليظهره انساناً مهزوزاً، متوتراً، عديم الثقة، خاصة عندما يلتقي "صفاء" رمز الانسان العربي المتيقظ الضمير، المتمسك بقيمه ومبادئه الواثق بنفسه، تلك الثقة التي تجعل "صفاء" وأمثالها لا يضعفون أمام أي اغراء أو تلويح بمكسب مادي. وتجدر الاشارة هنا الى قدرة الكاتب ونجاحه في اختيار الاسم "صفاء"، فهي نقية السريرة، صاحية الضمير، واضحة الموقف، رافضة لأي مساومة على مبادئها وآرائها. وبذلك تظهر شخصيتها ممثلة لشريحة من العرب مناقضة تماماً لشريحة ذلك العاهر السياسي، زد على ذلك توفيقه في اختيار الاسم "وسيلة" وهي الفتاة التي تزوجها لتكون السلم الذي يرتقي عبره الى كرسي الرئاسة في المجلس البلدي. وتبقى ملاحظة ترتبط بتقنيات المسرح حيث يلاحظ عناية المخرج والعاملين معه في عرض واستخدام ديكور بسيط يكاد لا يحس المشاهد بوجوده ويطغى عليه اللون الأبيض الذي يقرأ من خلاله معنى المسرحية ويبرز المفارقة الواضحة بين ما يشاهد أو يسمع من ذلك السياسي من كلام معسول، وبين جوهره الدفين المتشّح بالسواد لما يضمره من وصولية واستغلال حتى يصل الى مطمعه، وتزداد تلك الوصولية وضوحاً بحضور تلك الأرجوحة المستقرة في احدى زوايا المسرح والتي يلجأ اليها الممثل بين الفينة والأخرى لتصور قدرته على التأرجح في مواقفه واظهار حقيقته المتسلقة، هذا بالاضافة الى الدور الايجابي الذي تقوم به الاضاءة في انسجامها مع تقلب الشخصية المركزية ومساندتها على تمثلها حسبما رسمت. ومما يؤخذ على المسرحية في هذا المجال ما يشعر به المشاهد من انقطاع الأحداث عن بعضها البعض، والممثل ينتقل من بيئة الى أخرى، اللهم الا اذا كان ذلك مقصوداً وفي سبيل الاعلان غير المباشر عن انتهاء مشهد والدخول في مشهد آخر. وللاجمال نقول أن عناصر المسرحية تتآلف وتتكاتف مع بعضها البعض لتقدم عملاً ناضجاً جديراً بالمشاهدة، ويؤكد قدرة الأستاذ عفيف والعاملين معه على رفد الحركة المسرحية العربية في البلاد بعطاء يستحق الثناء لما نجد فيه من ترسيخ لخطوات المسرح العربي في بلادنا.
.
|
|||||
|
|||||