![]() |
||||
د. فاروق مواسي |
الكتابة الأدبية انتقاء من الواقع |
|||
|
كثيرًا ما يطلب مني بعض الأصدقاء إزاء قصة مؤثرة أو حدث خطير أن اعبّر عن ذلك كتابة ، فأصف حكاية ما جرى بدقة ومحاكاة ، لكي تجد الكلمات صدق الواقع بعيدة عن الغلو والتحليق . ومصدر الخطأ في الطلب تصورهم أن الكتابة الأدبية مجرد وصف عبارات وسبك حكايات تتأتى للكاتب في كل حين ، ناسين أن الأديب لا يعمد في عمله الإبداعي إلى تسجيل الحدث كما جرى على أرضية الواقع ، بل هو يتخير ويتنخـّل ما يبني به البِناءَ الجديد الموظَّف لغرض سام وفكرة يرمي إليها . ولو أنعمنا النظر في حادثة جرت حقيقة فإننا نلحظ في بنيتها أو في تصويرها نوعـًا من الاضطراب والفوضى ، أو على الأقل أنها طُهيت على مسرح الحياة ، فخرجت – مع ذلك - بشيء من النقص أو عدم النضج نسبيًا . ومن جهة أخرى فإن الكاتب إذا انفعل بهذه الحادثة فإنه يصوغها في عمل فني ، فيه النظام المتسق ، وفيه الحبكة والفنية في اختيار أو التقاط الحوادث وتقديمها وتأخيرها ، وفقـًا لرؤية يرمي إليها الكاتب ، حتى تصبح مكتملة ناضجة . وقصة ( اللص والكلاب ) لنجيب محفوظ كانت مادتها الخام من حكاية محمود أمين سليمان – سفاح الإسكندرية ، وقد أشغل الجمهور المصري حينًا ، وتناقلت أخباره الصحف ( انظر مثلاً أخبار اليوم - 12 – مارس 1960 ) ومحمود هذا خانته زوجته مع محاميــه ، ولما خرج من السجن كان وكده أن ينتقم منهما ...... وتذكر الصحيفة أنه كان يختفي في منزل سيدة تغار عليه ، وكان يتردد على مقهى مهجور في منطقة المقابر يقدم المخدرات ، وقد عثرت عليه الشرطة بعد أن استعانت بالكلاب البوليسية ................. وقارئ " اللص والكلاب" يستطيع أن يترجم الخبر إلى الرموز الأدبية ، بلا أدنى صعوبة . فهذه التفصيلات الواقعية أفاد منها محفوظ في تحديد الشكل الروائي الخارجي ، فقد عايشها ، ورأى كيف أن الجمهور كان يتعاطف ومحمود سليمان ، لأنه كان يقاوم الخيانة والغدر من جهة ، ولأنه يقاوم الشرطة ( ممثلة بالبطش لدى الحاكم ) من جهة أخرى . ومحفوظ ينفعل هو كذلك بهذا الحدث ، وتتولد لديه الأفكار والصور في مخزن – ريبوتوار – تظل مثقلة حتى ينفس عنها في القالب الملائم – الذي يتمثل في شخصية سعيد مهران . وسعيد مهران هو التعبير النموذجي لقضايا وجودية وفلسفية تتصارع في نفسية الكاتب . وقد جعل محفوظ هذا اللص مثقفـًا ، يبحث عن انتمائه ويواجه العالم ، رغم صرامة القدر المتربص به . على ضوء ذلك فالكاتب ليس مؤرخـًا يسجل يوميات مجردة ، بل ينطلق في تسجيل الواقع من خلال نفسيته ، فيحوّر ويغير وفق ضرورة فنية تلزمه وتوجهه . وفي هذا المجال تطرق نجيب محفوظ إلى وصف المبدع : " إنه مثل بنّاء ، يشيّد مبنى بحجارة مأخوذة من جبل . هذه الحجارة لا تأخذ في المبنى الشكل الذي كانت عليه في الجبل بأي حال من الأحوال ، فما يهم البنّاء هنا ليس تصوير الجبل ، وإنما يأخذ الحجر ، ويظل يغيّر فيه حتى يتوافق مع صورة البناء الذي صممه ، والذي يريد أن يستخدم الحجارة فيه " ( أتحدث إليكم ص 113 ) . فإذا كان سعيد مهران هو الترجمة الفنية لمحمود سليمان فإن الثاني سرعان ما يتلاشى ، ويبقى الأول نموذجًا ومثالا لفكرة . أما سعيد مهران وعلاقته برؤوف علوان و الموقف الفلسفي في هذه العلاقة فكل ذلك كان انعكاسًا عميقـًا لدى الكاتب وخبرته ورؤيته ، وليس لمحمود سليمان أدنى صلة بكل هذا ، مع أن هناك احتمالاً أن تكون قصة واقعية أخرى وجدت مكانها لها هنا لتعكس شخصية رؤوف علوان . ومع كل تشابه هنا وهناك فإن ذلك لا يعطي الدارس الحق في اعتبارها وثائق تاريخية ( لأن عوامل مختلفة وعناصر جديدة تختلط فيها ، منها ما هو حقيقي ، ومنها ما هو غير حقيقي ، ولأن الاعتبارات الفنية تنسينا عند الكتابة أن ننفـي الوقائع الحقيقية مما تقتضيه ظروف الحبكة الروائية ( انظر الحوار مع توفيق الحكيم في كتاب فؤاد دوارة في عشرة أدباء يتحدثون ص 34 ) . ويضيف الحكيم : " فإذا استطاع الإنسان أن يذكر حقيقة الوقائع المجردة قبل أن تصاغ في القصص ، ثم بعد أن صارت جزءًا من القصة فإن الفارق بين الحالين سيكون مثيرًا للدهشة " . وقد رأى أدوين موير في كتابه ( بناء الرواية ) أن الاختيار في الفن يكون من خلال إعطاء صورة كاملة يحددها بالزمان والمكان ، بيد أن تقليد الحياة في تدفقها – الذي يبدو عفويـًا لا يحدّه تصميم – إنما يجري في تقاطعات مستمرة من الزمان والمكان معًا . ويعارض ذلك د . محمد حسن عبد الله في كتابه الواقعية في الرواية العربية – ص 294 ، ويرى أن التسجيلية هي موقف وأسلوب قبل أن تكون قياسًا كميًا للزمان والمكان . "... والموقف عندنا يتمثل في حيادية النظرة إلى الشخصيات والمواقف والأحداث ،. بمعنى رصدها كما حدثت أو يمكن أن تحدث ..." . أما الإضافات التي يمنحها الكاتب فيجب أن تكون لها دلالات يتحملها الموقف بالضرورة . نخلص إلى القول أن الأدب هو انتقاء فني من الواقع ، وليس تسجيلاً حرفيًا له ، وليس أدل على ذلك من المعاناة والجهد والنظام في الإبداع .
18.5.2006
|
||||
|
||||